"بُني بدماء ضحايا حلبجة والأنفال".. عوائل الشهداء يرفضون الأصوات المطالبة بإنهاء كيان إقليم كوردستان

أربيل (كوردستان 24)- أثار الحديث المتداول مؤخراً في بعض الأوساط السياسية حول فكرة إنهاء أو إضعاف الكيان الدستوري والسياسي لإقليم كوردستان، موجة من الحزن والاستياء الشديدين لدى عوائل شهداء ومصابي القصف الكيماوي في مدينة حلبجة.

واعتبرت العوائل أن هذه الطروحات تمثل نكأً لجراحهم العميقة التي لم تندمل بعد، وتنكراً صارخاً للتضحيات الجسام التي قُدمت في سبيل تأسيس هذا الكيان وصونه.

نكأ لجراح حلبجة المستمرة

في مقبرة شهداء حلبجة، حيث ترقد آلاف الأجساد التي قضت بالسلاح الكيماوي للنظام البعثي البائد، يتجول ذوو الضحايا يومياً بين شواهد القبور التي تحمل أسماء أحبتهم وعوائلهم التي أُبيدت بالكامل. بالنسبة لهؤلاء، فإن بقاء إقليم كوردستان ككيان معترف به دستورياً هو الرمز الوحيد المتبقي لتضحيات أبنائهم.

ويقول حكمت فائق وهو من ذوي الشهداء، وهو يقف متأثراً أمام شواهد قبور شقيقاته الثلاث (نرمين، وشرمين، وبروين): "إن مجرد الحديث عن زوال كيان إقليم كوردستان يثير في نفوسنا قلقاً بالغاً، ونرى في هذه الأصوات محاولة لإعادة فتح جراحنا وآلامنا السابقة".

ويضيف بلهجة يملؤها الحرص: "بصفتي من عائلة قدمت 15 شهيداً في فاجعة القصف الكيماوي، أقف بقوة ضد أي تصريح أو مسعى يهدف إلى إضعاف هذا الكيان. نعم، لدينا كعوائل شهداء مطالبات وملاحظات على الأداء الحكومي، وهناك غياب للشفافية في بعض المفاصل، لكن هذا الكيان الدستوري تأسس بدم الشهداء الزكي؛ بدم ضحايا حلبجة، وعمليات الأنفال السيئة الصيت، وتضحيات بارزان و80 ألف ضحية من كرميان. لذا، فإن من يطالبون بإنهاء الإقليم لم يذوقوا يوماً مرارة النضال ولم يعيشوا معاناة البرد والحر التي تجرعناها".

الحرية كقيمة عليا

وفي موقع آخر من المدينة، وتحديداً قرب النصب التذكاري لحلبجة حيث تُعرض آليات عسكرية كانت تستخدمها قوات النظام السابق، يعبر فلاح ملا حامد، فقدَ شقيقين وعينه ويده في نضال البيشمركة، عن رفضه التام لتلك الدعوات السياسية، مؤكداً استعداده لمواصلة التضحية لحماية أرض كوردستان.

ويقول: "لقد قدمت شقيقين شهيدين سقطا دفاعاً عن هذه الأرض، وأنا نفسي فقدت عيني وأصيبت يدي بجروح بليغة في سبيل حريتنا. فعلنا كل ذلك لكي ينعم شعبنا اليوم في كوردستان بالحرية. إن الحرية بالنسبة لي تفوق كل اعتبار؛ فإذا كنت حراً عرفت كيف تعيش بكرامة، أما إذا فقدت حريتك فلا قيمة لأي ثروة تملكها".

ويتابع متسائلاً باستنكار: "يؤلمني كثيراً أن أسمع اليوم أصواتاً تتحدث بسهولة عن حل كيان الإقليم. ليتأمل هؤلاء ما يحيط بنا؛ إن هذا الصرح هو نتاج كفاح مرير وتصدٍ لنظام فاشي استخدم أقسى الأسلحة الكيماوية لإنهاء وجودنا".

الكيان.. ملاذ الكورد وجامع تطلعاتهم

على مدار التاريخ الحديث، خاض الشعب الكوردي نضالاً شاقاً وطويلاً تكلل ببناء وتثبيت كيان سياسي يحميه ويضمن حقوقه في العراق الجديد. واليوم، يمثل إقليم كوردستان الحصن الدستوري والملاذ الذي يفخر به الكورد في جميع أرجاء العالم كإنجاز تاريخي لا يمكن التفريط فيه.

ويرى مراقبون وناجون من الفاجعة أن استسهال البعض لطروحات حل كيان الإقليم أو تسليمه يعكس قصر نظر سياسي، وعدم تقدير للأنهار من الدماء التي سالت وأرواح الآلاف من الشهداء الذين قدموا أنفسهم قرابين على طريق الخلاص من الديكتاتورية وبناء غدٍ آمن ومستقر.

تقریر: آسان محمد - كوردستان 24 – حلبجة