مشروع روناكي.. الثورة التي أنهت عقوداً من أزمة الكهرباء في كوردستان

أربيل (كوردستان24)- يُعد مشروع "روناكي" (الإنارة) أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية والخدمية في إقليم كوردستان، حيث شكّل نقطة تحول تاريخية في معالجة أزمة الطاقة المزمنة وتوفير الكهرباء المستمرة للمواطنين.

وكان رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، قد أطلق "مشروع روناكي" في تشرين الثاني من عام 2024، بهدف توفير خدمة الكهرباء على مدار 24 ساعة للمنازل والقطاعات التجارية كافة بحلول نهاية عام 2026. وفي أيار من العام نفسه، وافق مجلس وزراء إقليم كوردستان بالإجماع على إقرار المشروع الاستراتيجي.

يهدف "مشروع روناكي" إلى توفير الطاقة الكهربائية باستمرار وعلى مدار الساعة في عموم كوردستان بحلول نهاية 2026، حيث يستفيد حالياً أكثر من 85% من المشتركين بكهرباء مستمرة عبر هذا المشروع الخدمي.

 

التأسيس والإنطلاقة (رؤية لمواجهة الأزمة)

أُعلن عن مشروع "روناكي" رسمياً في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2024 من قِبل رئيس حكومة إقليم كوردستان "مسرور بارزاني"، ونال موافقة مجلس الوزراء بالإجماع في أيار 2025. وجاء المشروع كخطة حكومية استراتيجية تهدف إلى إنهاء عقود من أزمة انقطاع التيار الكهربائي والاعتماد المفرط على "المولدات الأهلية" التي أثقلت كاهل المواطنين مالياً واستنزفت البيئة صحياً.

تمثلت الرؤية الأساسية للمشروع في بناء بنية تحتية ذكية لإدارة الطاقة، قادرة على توفير تيار كهربائي مستقر ومستمر على مدار 24 ساعة، مع تنظيم آلية الاستهلاك عبر أنظمة دفع وجباية إلكترونية حديثة ومصادق عليها.

 

الأهداف الاستراتيجية للمشروع

توفير كهرباء مستمرة: تأمين الطاقة دون انقطاع لجميع القطاعات السكنية والخدمية والتعليمية.

تخفيف الأعباء المالية: دمج الفواتير (الوطنية والمولدات) في فاتورة واحدة مخفضة، حيث أظهرت المؤشرات أن فواتير نصف المشتركين تراجعت لتصبح أقل من 38 ألف دينار عراقي شهرياً.

حماية البيئة: إيقاف المولدات الأهلية لتقليل انبعاثات الكربون، التلوث الضوضائي، والدخان الأسود في الأحياء السكنية.

دعم القطاع التعليمي والصحي: إمداد المدارس والمستشفيات بالطاقة الدائمة لتشغيل الأجهزة الحديثة (كالسبورات الذكية والمعدات الطبية) دون عوائق.

 

مراحل التطبيق والتوسع (2025 - 2026)

بدأ تطبيق المشروع تدريجياً عبر مراحل مدروسة، وانطلق من أحياء محددة ليمتد لاحقاً إلى مراكز المحافظات الكبرى:

المرحلة التجريبية والأولى (منتصف 2025): طُبق المشروع في أحياء سكنية داخل أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة. وفي العاصمة أربيل وحدها، أدى المشروع سريعاً إلى إيقاف أكثر من 1400 مولدة أهلية، مما ساهم في استعادة صفاء السماء وتحسين جودة الهواء.

التوسع الرقمي والجغرافي (مطلع 2026): بالتوازي مع مد الشبكات، أعلن رئيس الحكومة في شباط 2026 عن إطلاق منظومة القائمة الإلكترونية (e-پسوولە) للدفع الرقمي المعتمدة من البنك المركزي العراقي لتسهيل عمليات الجباية. وتوسعت التغطية لتشمل شوارع رئيسية ومناطق حيوية (مثل خط الـ 150 متراً في أربيل والـ 60 متراً في السليمانية).

الوصول إلى الشمولية (نصف عام 2026): نجح المشروع في تغطية أكثر من 85% من المشتركين في عموم الإقليم، مستهدفاً إيصال الخدمة لكافة المشتركين بنسبة 100% بحلول نهاية عام 2026.

 

الأثر والنتائج على أرض الواقع

تحول مشروع "روناكي" من خطة على الورق إلى واقع ملموس غير حياة الملايين:

بيئياً وصحياً: ساهم إطفاء آلاف المولدات في تقليص التلوث بمعدلات تعادل إزالة مئات الآلاف من السيارات من الشوارع.

تربوياً: أحدث المشروع طفرة في المدارس (خاصة ذات الدوامين)، فأنهى معاناة الفصول المظلمة في الشتاء وسهّل إدخال تكنولوجيا التعليم الحديثة.

اقتصادياً: أصبح نموذجاً يحتذى به، لدرجة دفع الحكومة الاتحادية في بغداد إلى دراسة التجربة والاعتزام بنقلها وتطبيقها في بقية محافظات العراق.

يمثل مشروع "روناكي" نموذجاً ناجحاً لكيفية تحويل التحديات الخدمية المزمنة إلى فرص للتنمية المستدامة، مرسخاً الاعتماد على الطاقة المنظمة والحلول الرقمية لرفع جودة حياة المواطن.

اللافت في مشروع "روناكي" أنه استطاع تلبية احتياجات المهن التي تتطلب استهلاكاً عالياً للطاقة دون إثقال كاهل أصحابها.

يوضح أحد الفنيين العاملين في مجال صيانة المولدات أن النظام الجديد "ممتاز جداً إذا استُخدم بحسب الحاجة". ويشرح تجربته قائلاً: "رغم استخدامي لآلات اللحام والقص (الكوسرة) في ورشتي، ورغم أن التعرفة التجارية أغلى من المنزلية، إلا أن فاتورة محلي بلغت 39 ألف دينار فقط، في حين كانت فاتورة منزلي لشهر كامل حوالي 22 ألف دينار".

ويؤيد هذا الطرح فني آخر يعتمد في عمله على أجهزة الشحن والمثاقب والمعدات الثقيلة، مبيناً أن استخدامه للكهرباء على مدار الساعة خفض تكاليفه بشكل كبير، حيث باتت فاتورته الشهرية تتراوح بين 15 إلى 20 ألف دينار فقط.

إلى جانب التوفير المادي، ساهم مشروع "روناكي" في خلق وعي جديد لدى المواطنين حول أهمية ترشيد الاستهلاك.

يؤكد أحد المواطنين العاملين في السوق أن توفر الكهرباء طوال اليوم هو "خطوة ممتازة"، لكنه يربط نجاح المشروع بوعي المشتركين. ويقول: "لقد تغير الوضع تماماً؛ فبعد أن كان الاستهلاك عشوائياً بسبب الانقطاع المستمر، أصبحنا اليوم أكثر حرصاً. نحن نستخدم الكهرباء بقدر الحاجة فقط للسيطرة على قيمة الفاتورة وضمان استمرارية الخدمة للجميع".

وفي انعكاس لمدى ملاءمة المشروع لمستويات الدخل البسيطة، يختتم أحد الباعة حديثه قائلاً: "أنا راضٍ جداً عن المشروع، فهو يتناسب تماماً مع وضعي المادي. لا أعرف إن كان هناك من يشتكي، لكن بالنسبة لمحلي الذي يتراوح دخله اليومي بين 15 إلى 25 ألف دينار، فإن تكلفة الكهرباء باتت عادلة ومناسبة جداً ولا تشكل عائقاً أمام رزقنا".

وأعلن المتحدث باسم وزارة الكهرباء في حكومة إقليم كوردستان عن أحدث الإحصائيات والمستجدات المتعلقة بقطاع الكهرباء وسير العمل في "مشروع روناكي"، حيث صرح أوميد أحمد لـ "كوردستان 24"، قائلاً: "قبل تسنم هذه التشكيلة الوزارية لمهامها، كان عدد المشتركين في شبكة إيصال الكهرباء يبلغ مليوناً و400 ألف مشترك، بينما ارتفع هذا العدد حالياً بشكل ملحوظ ليقترب من مليوني مشترك".

وكشف أوميد أحمد أنه بعد فترة من التوقف المؤقت للعمل في "مشروع روناكي"، فقد استؤنفت الأعمال مجدداً، وعن مستوى تنفيذ المشاريع، قال: "تم تثبيت المقاييس الذكية لأكثر من مليون و500 ألف مشترك في خدمة الكهرباء".

وأشار المتحدث إلى أن أكثر من مليون و460 ألف مشترك جرى دمجهم في "مشروع روناكي"، وهو ما يعادل نحو 85% من إجمالي مشتركي الكهرباء في إقليم كوردستان.

وتطرق المتحدث باسم وزارة الكهرباء إلى العقبات التي واجهت المشروع، مبيناً أنه "رغم وجود بعض التحديات الفنية والمالية، إلا أن هناك إرادة لتذليل العقبات وإتمام المشروع، وتتضمن الخطة شمول جميع مشتركي الكهرباء في إقليم كوردستان بالخدمة بنهاية العام الحالي".