التشكيلة الوزارية التاسعة.. استراتيجية طموحة لمواجهة التغير المناخي وتحقيق التنمية المستدامة

أربيل (كوردستان24)- تشهد البنية التحتية في إقليم كوردستان ثورة تنموية وعمرانية شاملة، تقودها الحكومة عبر حزمة من المشاريع الاستراتيجية العملاقة التي تعيد صياغة مستقبل المنطقة. وتضع التشكيلة الوزارية التاسعة للإقليم برئاسة رئيس الوزراء مسرور بارزاني، تطوير القطاعات الحيوية وفي مقدمتها الموارد المائية، الطاقة، والطرق على رأس أولوياتها، متبنيةً فلسفة تنموية صلبة ترتكز على الانتقال من الحلول الترقيعية المؤقتة إلى المشاريع المستدامة العابرة للأجيال. 

وفي قلب هذه المواجهة المناخية الحاسمة ضد شبح الجفاف والاحتباس الحراري، برزت استراتيجية كوردستان للأمن المائي كأحد أضخم البرامج الهندسية في تاريخ المنطقة؛ حيث يتكامل "مشروع الإمداد الطارئ والسريع للمياه في أربيل" مع شبكة واسعة من السدود والأحواض المائية العملاقة الممتدة من زاخو إلى السليمانية، لرسم خريطة طريق تؤمن التدفق المائي والازدهار الاقتصادي لعقود قادمة. 

 

التشكيلة الوزارية التاسعة: طفرة خدمية وحداثة مؤسساتية 

منذ تسلم التشكيلة الوزارية التاسعة مهامها برئاسة مسرور بارزاني، نجحت الحكومة في تحويل التحديات الاقتصادية والسياسية المعقدة إلى فرص حقيقية للبناء والتطوير، واضعةً شعار خدمة المواطن موضع التنفيذ الفعلي. فرغم الأزمات الدولية والضغوط المختلفة، تحول الإقليم إلى ورشة عمل مفتوحة ومستمرة، حيث ركزت الحكومة على إيصال الخدمات الأساسية إلى الأحياء والمناطق التي عانت طويلاً من التهميش، معززةً مبدأ العدالة التنموية في توزيع المشاريع بين مراكز المدن الكبرى والأقضية والنواحي والقرى النائية. 

وتميزت الخدمات في عهد التشكيلة التاسعة بالانتقال الرقمي والاعتماد على التكنولوجيا لتسهيل حياة المواطنين، جنباً إلى جنب مع قفزات نوعية في البنية التحتية؛ كافتتاح الشوارع الحولية الاستراتيجية (مثل طريق 150 المتر في أربيل، وطريق سبيليك-سوران المزدوج)، وإطلاق مشروع "روناكي" الرائد لتأمين الطاقة الكهربائية على مدار الساعة، وتحديث قطاع الرعاية الصحية والتعليم ببناء عشرات المدارس والمستشفيات التخصصية، مما جعل هذه الدورة الوزارية علامة فارقة في النهضة المؤسساتية لكوردستان. 

 

رؤية مسرور بارزاني للموارد المائية: الأمن المائي أمن قومي 

لم تكن أزمة الجفاف وهبوط مناسيب المياه الجوفية بالنسبة لرئيس الوزراء مسرور بارزاني مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل جرى التعامل معها منذ اليوم الأول كقضية أمن قومي ترتبط مباشرة بوجود الإقليم ومستقبل أجياله. ومن هذا المنطلق، وجه بارزاني بصياغة خطة شاملة ومكثفة لإنشاء السدود الكبيرة والمتوسطة، جنباً إلى جنب مع الأحواض المائية (البويندات) والبرك الاصطناعية لتجميع مياه الأمطار. 

وتستهدف هذه الرؤية ثلاثة محاور رئيسية: حظر هدر المياه السطحية، تغذية المخزون الاستراتيجي للمياه الجوفية الذي تعرض لإنهاك شديد في العقود الماضية، ودعم وتطوير القطاعين الزراعي والسياحي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتنويع مصادر الدخل القومي للإقليم. 

 

بالأرقام: الحصاد المائي الاستراتيجي للسدود والبرك المائية 

رغم التحديات الاقتصادية، نجحت الكابينة الوزارية التاسعة في تحقيق أرقام قياسية غير مسبوقة في قطاع الموارد المائية وإدارة السدود: 

السعة التخزينية المحققة: تمكنت الحكومة من تخزين أكثر من 252.8 مليون متر مكعب من المياه العذبة. 

التكلفة المالية الإجمالية: بلغت كلفة تشييد هذه المنظومة المائية المباشرة قرابة 265.7 مليار دينار عراقي. 

عدد السدود المنجزة: تم الانتهاء بالكامل من إنشاء وتشغيل 9 سدود استراتيجية وتاريخية في مختلف المحافظات. 

الأحواض والبرك المائية (البويندات): تم إنجاز 23 بركة وحوضاً مائياً، في حين يتواصل العمل حالياً وبوتيرة متصاعدة لإنشاء 58 بركة مائية إضافية بهدف تغذية القرى ودعم المزارعين محلياً. 

 

خارطة السدود الـ 9 التي شيدتها التشكيلة التاسعة 

تتوزع السدود التسعة التي أنجزتها حكومة مسرور بارزاني جغرافياً لتخدم كافة مناطق الإقليم، وهي تشكل اليوم دروعاً مائية ضد الجفاف والفيضانات: 

سد دوين: أحد السدود الضخمة والهامة لتعزيز الاحتياطي المائي. 

سد كۆمەسبان (كومسبان): يقع في أربيل ويعد معلماً هندسياً بارزاً يسهم في حجز كميات هائلة من مياه الأمطار والسيول. 

سد ديوانة: يقع في محافظة السليمانية (إدارة كرميان)، ويشكل شريان حياة لإنقاذ المنطقة من مواسم الجفاف القاسية. 

سد بستورة: يقع في أربيل وافتتحه رئيس الوزراء مسرور بارزاني رسمياً في أكتوبر 2024؛ تبلغ سعته التخزينية 20 مليون متر مكعب من المياه ويبلغ طوله 560 متراً، وتم بناؤه بالكامل بأيادٍ وكفاءات محلية. 

سد خنس: يقع في محافظة دهوك (شيخان)، ويسهم بقوة في ري الأراضي الزراعية المحيطة وإنعاش الحركة السياحية. 

سد آقوبان: يعزز من قدرات الإقليم في احتواء المياه السطحية في المناطق الجبلية. 

سد تورجار: سد حيوي آخر يخدم البيئة والثروة الحيوانية والزراعية. 

سد شوكير: يساهم في دعم الاستقرار المائي للبلدات المحيطة به. 

سد چەمركة (جمركة): يكمل المنظومة التساعية لحصاد المياه وضبط تدفقاتها. 

 

أرقام قياسية في خزن المياه وتوليد الكهرباء

شهد هذا العام نجاحاً كبيراً في سياسة حصاد مياه الأمطار، حيث ارتفع إجمالي المياه المخزنة في سدود الإقليم إلى 8.4 مليار متر مكعب، بزيادة مذهلة بلغت 4.8 مليار متر مكعب عن العام الماضي.

هذا الانتعاش المائي انعكس مباشرة على قطاع الطاقة؛ إذ قفز إنتاج الكهرباء من السدود من 61 ميغاواط في العام الماضي إلى 175 ميغاواط حالياً، مما يعزز الشبكة الوطنية بطاقة نظيفة ومستدامة.

إلى جانب هذه السدود التسعة المنجزة، يجري العمل حالياً على قدم وساق لإنشاء 12 سداً آخر، بالإضافة إلى التنسيق مع الحكومة الاتحادية لبناء 4 سدود استراتيجية كبرى (باكرمان، مندوا، دلگە، وتق تق) والتي ستمثل خزانات المياه الكبرى لعموم العراق. 

 

مشروع طوارئ مياه أربيل: الحل الجذري لعاصمة كوردستان 

بالتوازي مع ثورة السدود، نفذت الحكومة مشروع الإمداد الطارئ والاستراتيجي للمياه في أربيل بكلفة تقارب 480 مليون دولار أمريكي. هذا المشروع صُمم خصيصاً لإنهاء اعتماد العاصمة على المياه الجوفية (والتي كانت تمثل 65% من مصدر المياه وتعرضت لهبوط حاد قارب 400 متر في العقود الماضية)، والتحول بالكامل نحو استثمار المياه السطحية من نهر الزاب الأعلى. 

يضخ المشروع بطاقته الكلية 480 ألف متر مكعب يومياً (20 ألف متر مكعب في الساعة)، مما يضمن سد العجز المائي في أربيل بنسبة 100% ويؤمن حاجتها لـ 30 عاماً قادمة (حتى عام 2055). والجدير بالذكر أن تشغيل هذا المشروع سيتيح للحكومة إغلاق 1200 بئر ماء جوفي متهالك، مما يمنح باطن الأرض فرصة طبيعية فريدة للتعافي وإعادة بناء مخزونها الاستراتيجي. 

 

دعم حكومي سخي وتحدي الاستهلاك

تتحمل حكومة الإقليم عبئاً مالياً كبيراً لتوفير المياه، حيث تبلغ تكلفة الإنتاج السنوية 500 مليار دينار، بينما لا تتجاوز الإيرادات 60 مليار دينار. وهذا يعني أن الحكومة تقدم دعماً سنوياً بقيمة 440 مليار دينار.

وتشير البيانات إلى أن الفرد في الإقليم يحصل على 350 ليتراً من المياه يومياً، وهو ما يفوق الاحتياج الفعلي (181 ليتراً) ويتجاوز معدلات الاستهلاك في دول الجوار مثل تركيا (200 لتر) ومصر (200 لتر)، مما يضع المواطن أمام مسؤولية الحفاظ على هذه الثروة من الهدر.

 

الآثار البيئية والاقتصادية: عودة الحياة إلى القرى والآبار 

بدأت ثورة السدود والأحواض المائية (البويندات) تؤتي ثمارها البيئية والاقتصادية بشكل ملموس في مختلف أرجاء الإقليم: 

ارتفاع مناسيب المياه الجوفية: سجلت الموارد المائية ارتفاعاً ملحوظاً في مناسيب الآبار الجوفية تراوح بين 2 إلى 23 متراً في معظم المناطق، ووصل في بعض المناطق المحددة إلى قرب 100 متر، لدرجة تدفق المياه إلى السطح تلقائياً دون الحاجة لمحركات ضخ.

منع الهجرة العكسية وعودة الحياة للقرى: ساهمت السدود الصغيرة والبرك المائية (مثل بويند قوبة في ناحية حرير) في إنقاذ عشرات القرى من الهجرة بسبب الجفاف، وحولتها إلى مراكز زراعية وسياحية ومواطن لتربية الثروة السمكية. 

مشاريع "بويندات التعاون": أطلقت الحكومة مبادرة مالية بقيمة مليار و500 مليون دينار لدعم المزارعين في إنشاء برك لتجميع مياه الأمطار والسيول لتقليل الاعتماد على حفر الآبار غير القانونية وحظر هدر الثروة المائية. 

 

التنفيذ بأيادٍ وطنية: قفزة في القدرات الهندسية المحلية 

تعد الميزة الأبرز لجميع هذه المشاريع الاستراتيجية — سواء سد بستورة أو مشروع مياه أربيل الطارئ — هي إسناد عمليات التصميم والتنفيذ الهندسي بالكامل إلى شركات وكوادر محلية (مثل مجموعة هيمن - Hemn Group وغيرها). هذا الاعتماد على الذات لم يوفر آلاف فرص العمل للشباب الكوردستاني فحسب، بل أثبت ثقة رئيس الوزراء مسرور بارزاني العالية بالقدرات الوطنية وكفاءة المهندسين المحليين في قيادة قطاع البنية التحتية وفقاً للمواصفات العالمية. 

وبين بناء سدود عملاقة تحتجز ملايين الأمتار المكعبة من المياه، وإنشاء برك مائية تعيد الحياة للريف الكوردستاني، وبين إطلاق خطوط نقل المياه الطارئة لإنقاذ المدن الكبرى، تثبت التشكيلة الوزارية التاسعة برئاسة مسرور بارزاني أن مواجهة التغير المناخي تتطلب رؤية سياسية واعية وإرادة هندسية صارمة. لقد نجحت حكومة إقليم كوردستان في تحويل التحديات والتهديدات المناخية إلى طفرة تنموية، لتؤمن للإقليم وسكانه وأجياله القادمة "حصناً مائياً" يتدفق خيراً واستقراراً وازدهاراً.

 

فوائد تتجاوز الري والشرب

أكد تقرير لحكومة إقليم كوردستان أن هذه المشاريع لا تقتصر فوائدها على تأمين المياه فحسب، بل تمتد لتشمل:

دعم الاقتصاد: إنعاش قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية.

السياحة والبيئة: زيادة المساحات الخضراء وخلق مناطق سياحية حول البحيرات الجديدة.

الحماية من الكوارث: تقليل مخاطر الفيضانات في المدن والمناطق السكنية.

بهذه الرؤية المتكاملة، يمضي إقليم كوردستان نحو مستقبل مائي آمن، محصناً بنية تحتية قوية قادرة على مواجهة التغيرات المناخية ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والبيئية إلى الأمام.