العراق وسوريا يتجهان لإعادة تأهيل أنبوب نفط "كركوك - بانياس" بتنسيق ودعم أمريكي
أربيل (كوردستان24)- لعب المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون العراق وسوريا، توم باراك، دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين بغداد ودمشق؛ حيث من المقرر التوقيع على اتفاقية إعادة تأهيل أنبوب نفط "كركوك - بانياس" يوم الاثنين 13 تموز الجاري، وذلك خلال الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة، وبحضور وزير الخارجية السوري. وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في ظل التوترات الإقليمية ومخاطر تعطل إمدادات النفط العراقي عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره 95% من صادرات البلاد، مما فرض ضرورة لإيجاد ممرات بديلة وآمنة لتصدير الطاقة.
وأوضح المدير التنفيذي لمجلس الأعمال الأمريكي السوري، وائل الزيت، لمراسل "كوردستان 24" في واشنطن، أن المجلس نجح حتى الآن في جذب اهتمام أكثر من 40 شركة أمريكية ترغب في الاستثمار داخل سوريا بقطاعات الطاقة، والمصارف، والزراعة. وأضاف: "على الرغم من وجود تحديات قائمة، إلا أننا نلمس رغبة حقيقية من الشركات لدخول السوق السورية الواعدة، لاسيما في مجالات إعادة الإعمار، وتكنولوجيا المعلومات، والنفط والغاز، والضيافة، وهو أمر كان يُعد غير وارد في السابق ويُنظر إليه اليوم كخطوة هامة للأمام".
ومن جانبه، تحدث مدير برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط، تشارلز ليستر، لـ "كوردستان 24" حول العقبات المفروضة على دمشق قائلاً: "تحث الحكومة الأمريكية شركاتها علناً على الاستثمار في سوريا، لكن من الناحية القانونية والعملية، لم يتم رفع اسم سوريا حتى الآن من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي عقوبات موروثة من عهد النظام السابق". وأشار ليستر إلى أنه "طالما بقيت هذه العقوبات نافذة، فلن يكون هناك مسار قانوني ميسر أمام الشركات الأمريكية للاستثمار بشكل واسع، لكنني أسمع أنباء مشجعة عن قرب رفع هذه العقوبات، وبمجرد حدوث ذلك، سنشهد تدفقاً كبيراً للاستثمارات".
وصرحت مديرة البرامج في معهد "نيولاينز"، دانيا العريسي، لـ "كوردستان 24" بأن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا وعلاقاتها مع دول الخليج وتركيا، إلى جانب احتياطياتها غير المستغلة من النفط والغاز، تعد من أهم المزايا الاقتصادية للبلاد، مرجحة أن تتحول سوريا بفضل هذه المقومات الجيوسياسية إلى مركز إقليمي هام لنقل وتداول الطاقة.
وبشأن المفاوضات التقنية للمشروع، أشار سفير العراق لدى الولايات المتحدة، نزار الخير الله، خلال كلمة له في الندوة السنوية لمبادرة "البحار الأربعة" (Four Seas) التي استضافها معهد "نيولاينز"، إلى أن وفداً من وزارة النفط العراقية زار دمشق العام الماضي وعرض رسمياً على الحكومة السورية مقترح إعادة تأهيل الأنبوب. وبيّن الخير الله أن الخطة تتضمن استبدال الخط بالكامل لرفع قدرته التصديرية إلى مليون برميل يومياً، بما يسمح بنقل نفط حقول جنوب العراق أيضاً عبر هذا المسار الحيوي.
وكان وزير المالية السوري، محمد ياسر، قد صرح لـ "كوردستان 24" في واشنطن سابقاً بوجود حوار مستمر وتقدم ملموس بين الحكومتين لخدمة المصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة، معرباً عن تفاؤله بإنجاز المشروع سريعاً لما يحمله من منافع متبادلة للبلدين الشقيقين.
ونقل مراسل "كوردستان 24" في واشنطن أن مسؤولي الإدارة الأمريكية يبدون تفاؤلاً حيال مستقبل سوريا، لاسيما وأن الحكومة السورية الحالية برئاسة أحمد الشرع تتخذ خطوات إصلاحية وصفت بالإيجابية، مما دفع واشنطن لرفع معظم العقوبات عنها. ويرى المسؤولون أن سوريا مرشحة لتصبح مركزاً رئيسياً لنقل الطاقة على غرار تركيا في المستقبل القريب.
ورغم أن المبعوث توم باراك قد أشار في عدة مناسبات إلى أن خطوط أنابيب النفط تواجه مخاطر أمنية وجيوسياسية وارتفاعاً في التكاليف في الشرق الأوسط، إلا أنه يبدو أن الشركات التي ستتولى إعادة تأهيل خط "كركوك - بانياس" -بما فيها الشركات الأمريكية- قد حصلت على ضمانات أمنية وحماية لاستثماراتها من واشنطن.
ويتمتد أنبوب نفط "كركوك - بانياس" على طول 800 كيلومتر من حقول كركوك وصولاً إلى ميناء بانياس على الساحل السوري. وأنشئ الأنبوب من قبل شركة النفط البريطانية (BP) عام 1952 بقدرة نقل تبلغ 300 ألف برميل يومياً. وجرى إيقاف العمل بالأنبوب من جانب واحد من قبل الحكومة العراقية خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) نتيجة الموقف السوري آنذاك. وتعرض الأنبوب لأضرار بالغة خلال حرب العراق عام 2003، ولاحقاً بسبب سيطرة تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا بين عامي 2014 و2017. وتشير التقديرات الفنية إلى أن إعادة تأهيله بالكامل ستتطلب ميزانية تتجاوز 8 مليارات دولار لتجديد الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات والأنظمة الكهربائية بالكامل، وهو مشروع قد يستغرق من عامين إلى ثلاثة أعوام لإنجازه.
وعقب سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول 2024 وتولي أحمد الشرع إدارة البلاد، شهدت العلاقات الأمريكية السورية انفراجاً وتطبيعاً ملموساً أدى إلى رفع واشنطن لمعظم العقوبات المفروضة على دمشق لإتاحة الفرصة لإعادة الإعمار، وذلك بتوجيه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم استمرار بعض التحديات الأمنية والمصرفية التي تقيد تدفق الاستثمارات الخارجية بشكل كامل، إلا أن تأسيس مجلس الأعمال الأمريكي السوري ساهم في تسهيل دخول الشركات الأمريكية.
ووقعت شركات أمريكية كبرى مثل "شيفرون" و"كونوكو فيليبس" مؤخراً اتفاقيات مع الحكومة السورية لاستكشاف وإنتاج النفط، في حين تجري شركة "هنت أويل" مباحثات مماثلة، إلى جانب تطلع شركة "غلف ساندز" لاستئناف أعمالها السابقة في البلاد، مستفيدة من الواقع الجيوسياسي الجديد الذي جعل سوريا نقطة جذب محتملة لقطاع الطاقة.
ويتمثل التطور الأبرز في العلاقات بين واشنطن ودمشق في المساعي الرامية لرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب المفروضة عليها منذ كانون الأول 1979؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش قمة الناتو الأخيرة في أنقرة، عزمه شطب اسم سوريا من القائمة. وأبلغت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس بهذه الخطوة رسمياً، بالتزامن مع جهود يقودها أعضاء في الكونغرس، من بينهم السناتور إليزابيث وارين والسناتور كريس فان هولين، لتمرير مشروع قانون يسهل استثمارات الشركات الأمريكية والدولية في سوريا دون عوائق قانونية.