بين الانفتاح الدولي والواقع الأمني.. هل تنجح سوريا في استغلال فرصتها الاقتصادية التاريخية؟
أربيل (كوردستان24)- بعد مرور عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد، تجد سوريا نفسها اليوم أمام "مفترق طرق" حاسم؛ فبينما تلوح في الأفق بوادر نهضة اقتصادية مدعومة بانفتاح دولي غير مسبوق، تبرز تحديات أمنية وتنظيمية تهدد بعرقلة عملية إعادة الإعمار وتحويل هذه "الفرصة التاريخية" إلى وعود معطلة.
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري فقد نحو نصف قيمته خلال عقد من الحرب، لتستقر نتاجه المحلي عند حدود 21 مليار دولار. ومع تصنيف البلاد كدولة "منخفضة الدخل" منذ عام 2018، حيث يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، باتت الحاجة ماسة لتدفق رؤوس الأموال الخارجية.
وفي خطوة مفصلية، بدأ المجتمع الدولي مساراً لدمج سوريا في النظام المالي العالمي، كان أبرز محطاته الإعلان الأميركي عن بدء إجراءات شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورفع عقوبات اقتصادية (أميركية، أوروبية، كندية، ويابانية). وتوج هذا الانفتاح بزيارة تاريخية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أسفرت عن اتفاقيات ضخمة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
وشهدت الأشهر الأخيرة تدفقاً لعروض استثمارية كبرى من مختلف الأقطاب الدولية والإقليمية:
الولايات المتحدة: اتفاقيات مع شركتي "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا إنرجي" لتطوير حقول الغاز وزيادة الإنتاج.
الخليج العربي: دخلت شركة "زين" الكويتية قطاع الاتصالات، ووقعت السعودية عقوداً لتطوير مطار حلب وإطلاق خط طيران "ناس سوريا"، فيما تصدرت الإمارات المشهد بمشاريع عقارية ولوجستية ضخمة لشركة "إعمار" بقيمة 19 مليار دولار، واتفاقية لشركة "موانئ دبي العالمية" لتطوير ميناء طرطوس بقيمة 800 مليون دولار.
مصر وقطر: زيارات لمستثمرين بارزين مثل نجيب ساويرس، واتفاقيات قطرية في القطاع المالي والعقاري.
وتهدف هذه المشاريع، بحسب منصات أكاديمية متخصصة، إلى رفع إنتاج النفط إلى 600 ألف برميل يومياً، واستصلاح 1.7 مليون هكتار من الأراضي الزراعية لزيادة إنتاج القمح، وتحقيق عائدات سياحية تصل إلى 3 مليارات دولار سنوياً.
رغم هذا التفاؤل، لا يزال "الهاجس الأمني" يلقي بظلاله؛ فبعد زيارة ماكرون مباشرة، هزت تفجيرات تبناها تنظيم "داعش" العاصمة دمشق. وصرح باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجي"، بوضوح أن الوضع الأمني لا يزال يشكل عائقاً أمام العمل الميداني، واصفاً قطاع النفط السوري بأنه في "حالة سيئة".
إضافة إلى ذلك، تبرز الانقسامات الداخلية كحجر عثرة؛ فالخلافات مع الأكراد في الشمال والدروز في الجنوب (السويداء) تثير مخاوف المستثمرين من تفتت البلاد أو تعرض منشآتهم للقصف والنهب، خاصة في ظل استمرار التدخلات العسكرية التركية والتوترات على الحدود الجنوبية مع الأردن.
ويتفق خبراء اقتصاد، من بينهم فراس شعبو وهوارد شاتز، على أن التدفق الفعلي للاستثمارات مشروط بخطوات داخلية حاسمة، أبرزها:
دولة القانون: بناء نظام قضائي وتشريعي يضمن حقوق الملكية وينفذ العقود بعيداً عن "المحسوبيات" والعلاقات الشخصية.
الاستقرار المالي: تحديث الجهاز المصرفي المتهالك، وتوفير نظام سعر صرف مرن يسمح بحرية حركة الأموال، ومكافحة تضخم الليرة التي فقدت 99% من قيمتها منذ 2011.
الحوكمة والشفافية: تعزيز الرقابة المستقلة على المؤسسات، وإجراء انتخابات حرة لغرف التجارة والمجالس المحلية، ومحاربة إرث "تجارة الكبتاغون" لتحسين سمعة المؤسسات المالية.
رأس المال البشري: سد الفجوة الكبيرة في المهارات التي خلفتها الحرب والهجرة.
ويرى كيث كرين، الخبير في مؤسسة "راند"، أن السوريين المغتربين هم "حجر الزاوية" في هذه المرحلة؛ فعودتهم لإنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة ستكون بمثابة "شهادة ثقة" تشجع الشركات العالمية الكبرى على الدخول بقوة.
الخلاصة: تقف سوريا اليوم أمام فرصة لاستعادة مكانتها الاقتصادية، لكن نجاح هذه المرحلة لا يتوقف فقط على رفع العقوبات الدولية، بل على قدرة السلطة الجديدة في دمشق على الانتقال من "اقتصاد الحرب والعلاقات" إلى "اقتصاد المؤسسات والشفافية"، وبناء بيئة آمنة تمنح المستثمر الثقة في أن "سوريا الجديدة" قد غادرت ماضيها المظلم نهائياً.