"جواسيس الطبيعة" غير المرئيين: كيف تُنقذ تكنولوجيا الـ DNA غوريلا الجبال في رواندا؟
أربيل (كوردستان 24)- من قلب الضباب الكثيف في غابات إفريقيا، حيث تختبئ غوريلا الجبال المهددة بالانقراض خلف التضاريس الوعرة، يبرز سلاح علمي جديد لا يحتاج إلى كاميرات أو مطاردات مجهدة، بل يعتمد على "الآثار الخفية" التي تتركها الكائنات وراءها.
حل لغز الغابة: ما هو الحمض النووي البيئي؟
في متنزه "البراكين الوطني" برواندا، حيث المنحدرات الحادة والنباتات الكثيفة تجعل رصد الحيوانات أمراً شبه مستحيل أحياناً، لجأ العلماء إلى تقنية (eDNA) أو "الحمض النووي البيئي". هذه التقنية تسمح للباحثين بتحديد أنواع الكائنات الحية عبر تحليل العينات الجينية التي تتركها، مثل الفراء، أو الفضلات، أو حتى خلايا الجلد الميتة الموجودة في التربة والمياه.
هذا الابتكار، الذي قدمته "المؤسسة الإفريقية للحياة البرية" بالتعاون مع الحكومة الرواندية، يهدف إلى بناء سجل شامل لجميع الأنواع في البلاد، مما يساعد في حماية التنوع البيولوجي المهدد بالتغير المناخي والزحف السكاني.
لماذا تفوقت التكنولوجيا على الأساليب التقليدية؟
لعقود مضت، اعتمد مراقبو الحياة البرية على "فخاخ الكاميرات" أو المراقبة الميدانية المباشرة. لكن في تضاريس جبال "فيرونجا" الوعرة، واجهت هذه الأساليب تحديات كبرى:
-صعوبة الوصول: المنحدرات السحيقة تمنع الحراس من الوصول لكل زاوية.
-الأمن: التوترات الحدودية قد تحد من حركة الدوريات.
-الدقة: عينة واحدة من بركة مياه صغيرة قد تكشف وجود ثدييات، طيور، برمائيات، وزواحف في آن واحد، وهو ما قد تغفله العين المجردة.

خريطة طريق ضد الصيد الجائر
لا تقتصر فوائد الـ eDNA على الإحصاء فقط، بل تمتد لتشمل مكافحة الصيد الجائر؛ فالمعرفة الدقيقة بأماكن تواجد الأنواع النادرة تساعد في توجيه الدوريات الأمنية بشكل أكثر فاعلية. كما تتيح للعلماء مراقبة كيفية استعادة الحيوانات لموائلها الطبيعية في المناطق التي كانت سابقاً أراضٍ زراعية وتمت إعادة تأهيلها.
تحديات في طريق العلم
رغم عبقرية الفكرة، إلا أن الطريق ليس مفروشاً بالورود:
-القدرات المحلية: في البداية، كان لا بد من إرسال العينات إلى أوروبا لتحليلها، وهو ما يسعى الباحثون لتغييره عبر بناء مختبرات محلية متطورة في رواندا.
-الفجوة المعلوماتية: تفتقر إفريقيا حالياً إلى "مكتبات مرجعية جينية" شاملة، حيث أن معظم البيانات المتاحة تعود لعينات من أوروبا وأمريكا، وهو ما يعمل الباحثون الروانديون على تصحيحه الآن.
أجمل ما في المشروع هو إشراك المجتمع المحلي؛ حيث يتم تدريب السكان والحراس على كيفية جمع العينات. إنها رحلة بحث عن "أشباح الغابة" لا تهدف فقط لحمايتها، بل لفهم أسرار الطبيعة وضمان بقائها للأجيال القادمة.
المصدر: AP