فخري كريم يفرد ذاكرته السياسية للصحافة: شكوت للسيستاني من الفساد فاقترح الاستعانة بوزير من عهد صدام
أربيل (كوردستان24)- في عراق ما بعد صدام حسين انتقلت الصلاحيات الواسعة إلى منصب رئيس الوزراء. وكرس ميزان القوى عرفاً يقضي بأن يكون رئيس الوزراء شيعياً، ورئيس الجمهورية كردياً، ورئيس البرلمان سُنيّاً، خصوصاً بعدما ترسخت قصة المكونات على حساب المؤسسات. لم تنجح محاولات خرق هذا العرف حتى حين حاول الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن إسناد الرئاسة إلى إياد علاوي الفائز بالأكثرية النيابية لضمان بقاء نوري المالكي الذي حظي بدعم واشنطن وطهران معاً.
تأخر العرب في التعامل مع المتغيرات العراقية. سارعت إيران إلى ملء الفراغ. أيدت "مجلس الحكم"، الذي كان الأميركيون وراء إنشائه وعملت على تجميع القوى الشيعية وتشجيعها على المشاركة في العملية السياسية. وزاد من حضور إيران الدور الذي تقدمت له قوى سياسية وعسكرية احتضنتها طهران في عهد صدام. وهكذا عثرت طهران على موقع من داخل التركيبة العراقية الجديدة، وصار لها ما يشبه حق النقض على القرارات، وحق النظر في تشكيل الحكومات، مراهنة أن الانسحاب العسكري الأميركي آتٍ مهما تأخر.
يقول فخري كريم، كبير مستشاري الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، إن إيران تصرفت كدولة وجدت فراغاً في دولة مجاورة فسعت إلى ملئه وترسيخ دورها وحماية مصالحها. وهكذا صار الجنرال قاسم سليماني لاعباً كبيراً على المسرح العراقي يمتد دوره من متابعة استنزاف الوجود العسكري الأميركي، وصولاً إلى تشكيل الحكومات.
ويلاحظ أن دور دولة خارجية لا يكبر في دولة مجاورة إلا إذا عثرت على من يقبل بدورها. ويقول إن سليماني "كان يحاول أن يخدم بلاده ومصالحها بإخلاص، وكان حريّاً بالطرف الآخر أن يدافع عن دوره ومصالحه". ويتذكر أن سليماني كان "بارعاً وفعّالاً ويحاول أن يكتسب ثقة من يلتقيه وكان قادراً على الانتقال من المرونة الكاملة إلى التشدد الكامل"، كما هو الحال في الرسالة التي وجهها إلى طالباني حين قرر الأخير السير في اقتراح حجب الثقة عن حكومة المالكي. ويقول إن أبو مهدي المهندس، الذي قُتل مع سليماني كان موضع ثقة كاملة من الجنرال الإيراني.
كلّف طالباني كبير مستشاريه مهمات عدة في إيران كانت تتمحور حول تشكيل الحكومات العراقية والعلاقات بين إيران وإقليم كوردستان. ذات يوم زار السياسي العراقي عادل عبد المهدي (من
"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق") طهران، وقال لطالباني وكريم بعد عودته إن "ما يقوله سليماني عن أن إيران تؤيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء غير صحيح، لأنني أُبلغت أن المرشد علي خامنئي يؤيدني".
شعر طالباني بالإحراج، رغم أنه لم يكن بعيداً عن عبد المهدي. طلب من كريم أن يزور طهران ففعل والتقى سليماني بحضور أبو مهدي المهندس. نفى سليماني صحة ما يقوله عبد المهدي وقال لكريم أستطيع أخذك إلى المرشد لتسمع منه شخصياً. لفته كريم إلى أن العقدة الأخرى هي أن "المجلس الأعلى" لا يؤيد المالكي، وهناك موقف السيد مقتدى الصدر وهو يزداد تشدداً. رد سليماني بالقول إنهم على اتصال بالصدر وسيواصلون الاتصالات معه "أما قصة المجلس الأعلى فاتركها لنا ونحن نعالجها". استفسر الموفد العراقي لكن سليماني اكتفى بالقول: "حين ترجع إلى بغداد ستجد المجلس قد تغير". وحين عاد كريم والتقى طالباني وبارزاني أُبلغ أن "منظمة بدر" برئاسة هادي العامري خرجت من "المجلس الأعلى" وانضمت إلى المالكي. وهكذا تغير التوازن ولم يعد باستطاعة المجلس عرقلة تشكيل الحكومة.
يتذكر كريم أن إيران دعمت في البداية تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة (2005 إلى 2006). بالغ الجعفري في الاعتقاد أنه الخيار الوحيد وأنه المنقذ، وسرّب قريبون منه شعاراً هو "نريد حاكماً جعفرياً". تحول الجعفري سريعاً عبئاً على العملية السياسية التي كانت في بداياتها. بعثت المرجعية الشيعية برسائل تعكس قناعتها بوجوب التغيير. نصح السفير الأميركي زلماي خليل زاد الجعفري بالاستقالة فلم يتجاوب. ذهب إليه لاحقاً وهدده بصريح العبارة: "سوف نتصدى لك إن لم تخرج. أخرج ولو خلافاً لإرادتك".
يقول كريم إن اسم المالكي لم يكن مطروحاً آنذاك وكان الاسم الذي يتردد هو علي الأديب من حزب "الدعوة"، وهو الحزب الذي ينتمي إليه المالكي. لم يحبذ المالكي السير في الأديب الذي لم ينجح في تعزيز حظوظه. عقد "الدعوة" اجتماعاً ثانياً لحسم الموضوع غاب عنه الأديب وتم طرح اسم المالكي وأيدته القيادة.
فطور مع سليماني
يتذكر كريم لقاء مع سليماني على فطور بحضور أبو مهدي المهندس. قال: "تحدثت عن سلوك المالكي في الدورة الثانية وشيوع الفساد". أجابني: دعنا ننتهي. نستطيع أنا وأنت أن نتحدث إلى الصباح عن مظاهر الفساد. اعطوني فرصة وأنا أتعهد بمعالجة هذه القضية بعد الدورة الثانية. أجبته أن الوضع لا يتحمل. وسألته: إذا كانت كل القوى - مقتدى الصدر و"العراقية" والحكيم - متفقة فلماذا لا نستطيع أن نغير؟ قال: التغيير والتكليف يتقرران في التحالف الشيعي. أجبته: التحالف الشيعي نصفه موجود؛ الصدر والحكيم وأحمد الجلبي، فرد قائلاً: التحالف الشيعي من يبقى فيه هو الذي يقرر. قلت: هل أفهم من هذا أنكم أنتم، فأجاب: فكر كما تريد.
خطأ مقتدى الصدر
في عراق ما بعد صدام حسين، برز في الساحة السياسية لاعب كبير صعب. إنه السيد مقتدى الصدر. تيار شعبي عريض واكبته قوة مسلحة. لم يكن التعامل مع الصدر سهلاً بالنسبة إلى القوى السياسية، خصوصاً الشيعية منها. وشهدت بعض الجولات احتكاماً إلى السلاح. لم تكن إدارة ظاهرة الصدر سهلة من الداخل، ولم تكن كثيرة السهولة أيضاً بالنسبة إلى الخارج الإيراني، خصوصاً أن الرجل كثيراً ما يفاجئ حلفاءه وخصومه.
سألت فخري كريم عن قرار الصدر الخروج من الحياة السياسية، فأجاب: "مع احترامي الكامل له، أنا أعتبر القرار خطأً كبيراً دفع العراق ثمنه. خطوة غير مسبوقة. أدى خروج الكتلة الصدرية إلى إفراغ البرلمان من أي قوة شيعية مؤثرة تستطيع تعطيل قرارات لا تنسجم مع التطلعات المشتركة. عندما يستقيل نائب أو اثنان أو ثلاثة أو خمسة يمكن تعويض ذلك، لكن حين تنسحب الكتلة الأكبر من البرلمان فهذا يغير المشهد ويطرح سؤالاً عن التفويض حتى ولو جرى ملء المقاعد بأساليب مستندة إلى نصوص معمول بها. إحلال مرشحين كانوا خاسرين محل هذا العدد الكبير من النواب بدا غريباً ومضحكاً. حوَّلت الأقلية نفسها إلى أكثرية. هذا انقلاب على الدستور والعملية السياسية. أطلقت الأقلية السابقة انقلاباً لا يزال مستمراً. يريدون الإفادة من هذه المرحلة لتصفية كل العناصر التي يمكن أن تتحدى هيمنتهم المطلقة على الوضع في العراق. من هنا نرى محاولات استهداف إقليم كردستان ومحاولة تفكيك المكون السُنّي أيضاً. لا بد من الالتفات هنا إلى المكون الشيعي نفسه. سُلبت إرادة قسم كبير من الشيعة. لم يشارك أكثر من 20 في المائة منهم في الانتخابات الأخيرة، وقد توزع المشاركون على الأطراف الشيعية. هذا يعني أن المجموعة الحاكمة هي أيضاً أقلية على مستوى الشيعة، الذين تعاني مناطقهم من البطالة والفقر ونقص الخدمات أسوة بالمناطق الأخرى. إن اعتقاد المجموعة الحاكمة أن المظلومين لن يعودوا إلى رفع الصوت وترداد الشعارات التي رفعت في الاحتجاجات والانتفاضات خاطئ تماماً".
اقتراح مفاجئ من السيستاني
كان من الطبيعي أن أسأل فخري كريم عن دور المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني وهو التقاه ثلاث مرات. قال: "خرجت بانطباع أنه متقدم سياسياً بالمعنى الوطني العراقي على كل القيادات الشيعية أو على الغالبية المطلقة منها. وأعتقد أن خُطب الجمعة لوكلائه كانت تعبر عن هذا النهج. أريد التوقف عند ملاحظة أساسية تعطيك فكرة عن أسلوب تفكير السيستاني. تحدثت عن الفساد، ومن ضمن التلاعب بالحصة التموينية وإذ به يفاجئني بالقول: لماذا لا تأتون بوزير التجارة السابق إلى وزارة التجارة لأنه معروف كيف كان يتعامل مع هذه القضية أو لماذا لا تأتون بوزير مسيحي؟ قلت له: كيف؟ فأجاب: لم لا إذا كان نظيفاً ويخدم العراقيين. لماذا لا نأتي به؟ (كان السيستاني يشير إلى تجربة الوزير محمد مهدي صالح في السنوات الأخيرة لصدام والذي ابتكر برنامج البطاقة التموينية). ولم يكن بسيطاً أن يقول السيستاني لماذا لا تأتون بوزير من العهد السابق لأنه كان يضمن وصول الحصة التموينية كاملة.
ذهبت إليه لاحقاً وبعدما تكاثرت المظالم والتجاوزات وشاع الفساد. قلت له إن الناس ينتظرون موقفك. فأجاب: أنا دوري لم يعد كالسابق. تدخلت حينما لم يكن هناك دستور ولم تكن هناك حكومة وهيئات. الآن صار لديكم دستور مُقَرٌّ ورئاسة وحكومة. أنا لا أستطيع أن أتدخل. أنا ليس علي سوى الوعظ والإرشاد وعلى الآخرين أن يقبلوا أو لا.
هناك مسألة أخرى مهمة في موقف السيستاني وهي قناعته أن العراق الجديد لا يمكن أن يبنى على قاعدة استضعاف المكونات الأخرى، وتحديداً السُنّة والكورد. كان يقول إنه لا يجوز تجاوز المكون السُنّي أو أي مكون آخر. أستطيع القول إنه كان يطالب أن يكون المكون السُنّي شريكاً وأن يأخذ حقوقه كاملة".
فتوى "الجهاد الكفائي" و"الحشد"
يرى كريم أن السيستاني أصدر فتوى "الجهاد الكفائي"، لاستنهاض الناس لمواجهة خطر كبيرهو "داعش". ومن الطبيعي أن المهمة تنتهي بزوال الخطر. لم يتحدث عن "الحشد"أو أي تنظيم آخر، بل تحدث عن متطوعين. ويضيف: "تجاوب كثيرون مع دعوة السيستاني وقدم قسم منهم تضحيات كبيرة إلى جانب القوات المسلحة والبيشمركة. وقد شارك المتطوعون في عملية تحرير الأراضي التي كان التنظيم يحتلها.
كانت هناك قناعة بأن من حق من قدموا هذه التضحيات أن يكونوا جزءاً من القوات المسلحة وأن يحظوا برعاية الدولة. فكرة دمج الميليشيات أو الكيانات العسكرية بالقوات المسلحة ليست جديدة. الحاكم الأميركي بول بريمر (أول حاكم للعراق بعد الغزو) اقترح شيئاً من هذا النوع على الفصائل والتنظيمات تحت شعار الدمج في الجيش ونُفِذَت خطوات على هذا الصعيد. كان الغرض إذن إزالة خطر "داعش" ولم يكن المطلوب إنشاء جيشٍ موازٍ للجيش أو قيام مؤسسة أخرى. لم يكن هناك تفكير بأن تقوم كيانات تعتبر جزءاً من القوات المسلحة لكن لدى بعضها أجندات خاصة ولا تخضع عملياً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس الوزراء. وربما يكون الحل عن طريق تشكيل قيادة عامة للقوات المسلحة تشارك فيها كل مفاصل هذه القوات وتأتمر بأوامر القيادة العامة وليس القائد العام الذي لا يستطيع أحياناً أن يفعل شيئاً".
وعما إذا كانت مهمة رئيس الوزراء الحالي محمد شيّاع السوداني تزداد صعوبة وما إذا كان التحالف الشيعي أو "الإطار التنسيقي" هو الحاكم الفعلي، قال كريم: "نعم، مهمة رئيس الوزراء الحالي تزداد صعوبة. هو، وبكل صراحة، لديه نوايا إيجابية ويريد أن يحقق ما يستطيع من البرنامج الحكومي لكنه محكوم بسور من الضغوطات. من ينظر إلى الانحدار الذي يضرب العملية السياسية يدرك حجم الصعوبات. عملياً الحاكم الفعلي هو القوى التي تشكل الإطار الشيعي أو الإطار التنسيقي، ولا يمكن للحكومة أن تخرج عن المسار المحدد من هذا الإطار".
"الإطار التنسيقي" هو القوة الحاكمة. وأعتقد أن أحد قادته قال كلاماً مؤسفاً ومزعجاً جداً حين سُئل عن دور رئيس الوزراء. قال: "نحن بالنسبة إلينا رئيس الوزراء هو مدير عام حين يتعلق الأمر بالقضايا الاستراتيجية والأساسية. أما فيما يتعلق بالإدارة اليومية للدولة فهو رئيس وزراء. هذا الكلام كان بمثابة إشارة لأنه قيل مع انطلاق الحكومة.
شاع في الآونة الأخيرة على لسان سياسيين وإعلاميين أن قادة في الإطار يسعون إلى إفراغ منصب رئيس الوزراء من أهميته خوفاً من "تفريخ زعامات جديدة". وثمة من يطرح أن يستقيل رئيس الوزراء من موقعه قبل ستة أشهر إذا كان ينوي خوض الانتخابات. وهناك من ينقل عن السيد نوري المالكي، وأنا لا أريد الخوض مجدداً في سجالات معه، أن السوداني يحاول الإفادة من موقعه الحالي لتعزيز فرصه في الانتخابات المقبلة".
صحيفة الشرق الأوسط