في سباق مع الزمن والعقل.. أطفال كوردستان يحولون الرياضيات إلى فن إبداعي في مسابقة "الحساب الذهني"
أربيل (كوردستان 24)- في قاعة يسيطر عليها صمت مطبق لا يقطعه سوى صوت الأقلام وهي تدون الإجابات بسرعة خاطفة، تتسابق عقول يافعة مع عقارب الساعة، ليس في حل مسألة أو اثنتين، بل في الإجابة على 125 عملية حسابية معقدة في غضون سبع دقائق فقط.
هذا هو المشهد الذي جسدته مسابقة "الحساب الذهني" في إقليم كوردستان، حيث أظهر أطفال لا تتجاوز أعمارهم سنوات الدراسة الأولى قدرات ذهنية استثنائية، محولين مادة الرياضيات من تحدٍ دراسي إلى ساحة للإبداع والموهبة.
مواهب تتحدى الزمن
لانيا مريوان، إحدى المشاركات، كانت مثالاً حياً على هذه المواهب. بعينين مركزتين، كانت تتلقى المسائل الحسابية من جمع وطرح، لتعالجها في عقلها بسرعة فائقة قبل أن تدون الإجابة النهائية.
ورغم فوزها، تعترف لانيا بتأثير الضغط النفسي عليها قائلةً: "التدريب كان شاقاً، وفي المنزل كنت أحل 125 مسألة بسهولة. لكن في المسابقة، أثر عليّ التوتر.
أخبرنا المدربون أن الأمر سيكون سهلاً لتهدئتنا، لكن رهبة المنافسة كانت كبيرة".
لم تكن لانيا وحدها، فالفرحة كانت السمة الأبرز على وجوه الفائزين الذين تم تكريمهم في ختام المسابقة.
ومن بينهم ديا عادل الذي عبر عن سعادته قائلاً: "حصلت على المركز الثاني بعد أن أجبت على 125 سؤالاً في سبع دقائق. أشعر بفخر كبير بهذا الإنجاز".
ما هو "الحساب الذهني"؟.. برنامج عالمي لتنمية القدرات
"الحساب الذهني" هو برنامج بريطاني الأصل، تم اعتماده في إقليم كوردستان منذ ثلاث سنوات بهدف تنمية المهارات العقلية والتحليلية لدى الأطفال. المسابقة الأخيرة شهدت مشاركة 162 طالباً وطالبة، خاضوا جميعاً نفس التحدي.
توضح لاڤە عبدالله، المشرفة على المسابقة، أن البرنامج يعتمد على تقنية خاصة تتجاوز الطرق التقليدية.
وتقول: "يستخدم الأطفال تقنية تعتمد على أصابع اليدين كأداة مساعدة في البداية، لكن الهدف الأساسي هو نقل كل العمليات الحسابية إلى الدماغ.
عندما يتوصلون إلى النتيجة في عقولهم، يكتبون الإجابة النهائية فقط. إنها موهبة استثنائية يتم صقلها بالتدريب المكثف، مما يمنح هؤلاء الأطفال قدرات ذهنية تجعلهم يبرزون بين أقرانهم".
أبعد من مجرد مسابقة: رؤية تربوية للمستقبل
تكمن أهمية هذه المسابقة في أنها تتجاوز كونها مجرد منافسة في سرعة الحساب. فهي تمثل أداة تربوية حديثة تهدف إلى تعزيز الثقة بالنفس لدى الطلاب، ومحاربة "القلق من الرياضيات" الذي يعاني منه الكثيرون.
كما تساهم في تطوير مهارات التركيز، الذاكرة، والتفكير النقدي، وهي مهارات أساسية لا غنى عنها في كافة مجالات الحياة.
إن نجاح مثل هذه المبادرات في إقليم كوردستان يسلط الضوء على أهمية الاستثمار في الطاقات الشابة وتبني أساليب تعليمية مبتكرة.
ويبقى الأمل معقوداً على استمرار هذه الأنشطة النوعية التي لا تكتشف المواهب فحسب، بل تصنع جيلاً جديداً قادراً على مواجهة تحديات المستقبل بعقلٍ مبدع وواثق.
تقرير: هاوژین جمال - كوردستان 24 - السلیمانية