بعد ترميم شامل.. الجامع الكبير في قلعة أربيل يفتح أبوابه من جديد كشاهد على تعاقب الحضارات

أربيل (كوردستان 24)- في حدث يجمع بين الأهمية الدينية والتاريخية، أعيد افتتاح الجامع الكبير في قلعة أربيل، أحد أبرز المعالم الروحانية في هذا الموقع المُدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو، وذلك بعد خضوعه لعملية ترميم وتجديد شاملة استمرت لسنوات، ليعود ويحتضن المصلين والزوار من جديد.

تاريخ متجذر في عمق الحضارات

يروي الجامع الكبير قصة فريدة عن التعايش وتعاقب الأديان على أرض أربيل. فمع كل حضارة قامت في هذه القلعة العريقة، كان هناك مكان مخصص للعبادة. هذا الموقع، قبل أن يصبح جامعاً للمسلمين، كان معبداً لليهود (كنيس)، ثم تحول إلى كنيسة للمسيحيين.

وفي هذا السياق، يوضح عثمان المفتي، المشرف على الجامع الكبير، قائلاً: "مع الفتح الإسلامي في السنة السابعة عشرة للهجرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، تحول هذا المكان إلى جامع". ويضيف أن تاريخ الجامع يعود إلى القرن السابع عشر، حيث كان مركزاً للحياة الدينية والاجتماعية لسكان القلعة لمئات السنين.

منارة للعلم والحياة الاجتماعية

لم يكن الجامع مجرد مكان لأداء الصلاة، بل كان قلباً نابضاً بالحياة ومركزاً للعلم. يقول المفتي: "لأكثر من 500 عام، كان الجامع يضم إماماً وخطيباً ومدرساً. كان سكان القلعة يتلقون فيه تربيتهم الدينية، ويتعلمون شؤون حياتهم، ويحلون مشاكلهم. لقد كان جزءاً لا يتجزأ من نسيجهم الاجتماعي".

ترميم يجمع بين الأصالة والحداثة

شملت عملية الترميم الدقيقة تجديداً كاملاً للمبنى مع الحفاظ على طابعه التاريخي. وقد تم تجديد الفناء ببلاط جديد، وتركيب أنظمة إضاءة وتبريد وتهوية حديثة، وترميم المنارة التي تعد رمزاً معمارياً بارزاً.

ومن أبرز المعالم التي تم الحفاظ عليها بعناية، المنبر الخشبي التاريخي الذي يعود تاريخه إلى عام 1132 هجري (ما يوافق القرن السابع عشر الميلادي). وخلال أعمال التجديد، تم الحرص على حماية الختم الأصيل للمُلا أفندي، الذي كان يُعد حاميًا لأصالة المكان.

إن إعادة افتتاح الجامع الكبير لا يمثل فقط عودة مكان للعبادة، بل هو إحياء لجزء حيوي من ذاكرة مدينة أربيل، وتأكيد على تاريخها الغني بالتسامح والتعايش بين مختلف الأديان والثقافات عبر العصور.

تقریر : نیان بارزان – كوردستان24 – اربیل