"فندق الهلال" في بغداد.. من أطلال منسية إلى متحف يخلد ذكرى "كوكب الشرق"

أربيل (كوردستان 24)- في أزقة شارع الرشيد العريق، وبين جدران فندق "الهلال" المتهالكة، لا يزال صدى صوت سيدة الغناء العربي أم كلثوم يتردد في ذاكرة البغداديين.

ففي عام 1932، حطت "الست" رحالها في العاصمة العراقية لأول مرة، لتفتتح فصلاً من العشق المتبادل مع جمهور الرافدين من على خشبة "نادي السبع" داخل الفندق الذي كانت تعود ملكيته آنذاك للفنانة العراقية سليمة مراد، زوجة "سفير الأغنية العراقية" ناظم الغزالي.

يستذكر البغداديون تلك الأيام بزهو كبير؛ حيث استمرت حفلاتها لعدة أيام، واحتشد الآلاف ليس فقط داخل القاعة، بل افترشوا الأرصفة خارج الفندق لسماع صوتها الذي أسر القلوب.

يقول محمد الكيناني، صاحب "أنتيكخانة المدلل": «كانت زيارات أم كلثوم للعراق نادرة، لذا كان قدومها حدثاً استثنائياً. في تلك الحقبة، كان الميسورون ممن يمتلكون الكاميرات يتسابقون لتوثيق صورها وتسجيل أغانيها، لتتحول تلك اللحظات إلى إرث لا يقدر بثمن. ورغم زيارة عمالقة مثل عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب لبغداد، إلا أن حضور أم كلثوم ظل له وقعٌ لا يتكرر».

بعد عقود من الإهمال الذي طال المبنى التاريخي وأدى إلى انهيار أجزاء كبيرة منه، قررت أمانة بغداد أخيراً إعادة الروح إلى هذا المعلم.

ويتضمن القرار ترميم مبنى فندق "الهلال" بالكامل وتحويله إلى متحف ومزار ثقافي تحت اسم "أنتيكخانة أم كلثوم"، وهي الخطوة التي لاقت ترحيباً واسعاً من قبل الأوساط الشعبية.

يعلق المواطن البغدادي كاظم سكبان قائلاً: «هذه البناية ليست مجرد أحجار، بل هي مخزن للذكريات. منذ عام 1932 وحتى يومنا هذا، لا يزال الناس، وبخاصة كبار السن، يزورون هذا المكان لالتقاط الصور واستعادة ذكريات تلك الحقبة الذهبية».

فيما يضيف المواطن صلاح السوداني: «هذا المبنى له قيمة روحية وتاريخية تمنح البهجة للعراقيين، ومن المؤسف أن يترك عرضة للانهيار وهو في قلب شارع الرشيد؛ إن الاهتمام به هو إعادة اعتبار لهوية بغداد».

لم تكن زيارة عام 1932 هي الوحيدة، فقد كان صدى نجاحها في بغداد قد جاب الدول العربية، مما دفع الملك فيصل الثاني لدعوتها مجدداً في عام 1946. وفي تلك الزيارة التاريخية، غنت أم كلثوم في "قصر الرحاب"، وهناك مُنحت لقب "كوكب الشرق".

وقد ساهم الفنان ناظم الغزالي وزوجته سليمة مراد والشاعر معروف الرصافي في تنظيم حفلها الثاني، الذي شهد حدثاً إعلامياً فريداً من نوعه في ذلك الوقت، حيث نُقلت الحفلة مباشرة عبر أثير "راديو صوت العراق" لتصل إلى مسامع العراقيين في كافة المحافظات.

ولدت أم كلثوم عام 1898 في محافظة الدقهلية (دلتا النيل) بمصر، وعاشت رحلة فنية حافلة امتدت لأكثر من سبعة عقود، سجلت خلالها نحو 300 أغنية أصبحت دستوراً للطرب الأصيل. وبرحيلها عام 1975، شهدت القاهرة واحدة من أكبر الجنازات في التاريخ بمشاركة أكثر من أربعة ملايين مشيع، لكنها في بغداد، لا تزال حية في "فندق الهلال" وبانتظار أن يفتتح متحفها الجديد أبوابه ليعيد بريق "كوكب الشرق" إلى سماء العاصمة.

تقرير: شيفان جباري – كوردستان24 - بغداد