"أمُّ الغاز" بلا غاز.. أزمة الوقود في الأنبار تُعيد الأهالي إلى "البدائية"

أربيل (كوردستان 24)- بين طوابير طويلة تمتد لمئات الأمتار وحسرة على واقع يصفونه بـ"الارتداد نحو الماضي"، يواجه أهالي محافظة الأنبار منذ نحو أسبوع أزمة حادة في التزود بالغاز السائل (LPG)، ما تسبب بشلل جزئي في حياة العائلات اليومية، وسط اتهامات لمحتكرين وأصحاب سيارات توزيع باستغلال الأزمة لرفع الأسعار.   

تحت أشعة الشمس، يقف المواطنون لساعات طوال بانتظار الحصول على أسطوانة غاز واحدة. المواطن "أبو أنس" يصف المشهد بـ"صراع الأقوياء"، مشيراً إلى أن التوزيع في المحطات القليلة العاملة يخضع للمحسوبية والقوة،

ويضيف: "الغلبة للقوي، والضعيف يخرج خالي الوفاض. الأزمة مفتعلة من قبل بعض أصحاب سيارات التوزيع الذين يبيعون الأسطوانة بـ 12 ألف دينار، أي ضعف سعرها الرسمي، بينما تستمر الأزمة بلا حلول منذ أسبوع".

من جانبه، أعرب المواطن "محمد مضعن" عن استغرابه من غياب الأسباب المقنعة لهذا الانقطاع المفاجئ، قائلاً: "لا أحد يعطينا جواباً شافياً. أصحاب سيارات التوزيع يطلقون وعوداً يومية بأن الأزمة ستنحل 'غداً'، ومرت سبعة أيام وما زلنا بلا غاز في بيوتنا".

ولم تقتصر المعاناة على الانتظار، بل شملت تكاليف إضافية باهظة؛ حيث يضطر البعض لاستئجار وسائل نقل بأسعار مرتفعة للوصول إلى محطات التعبئة المركزية.

يقول المواطن "أبو هشام" بمرارة: "اضطررت لدفع 10 آلاف دينار أجرة نقل لكي أحصل على قنينة غاز بـ 6 آلاف دينار من المحطة. هل نحن في عصر التطور أم نعود للوراء؟ هذا المشهد أعادنا بذاكرتنا إلى معاناة عام 2005، نحن لا نطالب بالمستحيل، فقط نريد توفير أبسط مقومات الحياة".

أما المواطن "مصطفى جمال"، فقد أشار إلى خلل في آليات التوزيع والسلوكيات الفردية، موضحاً أن البعض يقوم بسحب كميات كبيرة وتخزينها مما يفاقم الازدحام، متسائلاً عن المفارقة في أن الأنبار محافظة غنية بالموارد لكنها تفتقر للخدمات الأساسية.

تعد محافظة الأنبار من أغنى المحافظات العراقية بالغاز الطبيعي، حيث تضم "حقل عكاز" الغازي الذي يعد الأكبر في العراق من حيث الاحتياطيات المؤكدة.

ورغم هذه الثروة، يعاني المواطن الأنباري من أزمات متكررة في الغاز السائل المخصص للطبخ، وهو ما يعزوه مراقبون إلى ضعف البنى التحتية للتصنيع والاعتماد على الاستيراد أو التجهيز من محافظات أخرى، فضلاً عن المشاكل اللوجستية في التوزيع.

غالباً ما تظهر في العراق أزمات موسمية في الوقود، يستغلها "تجار الحروب" والسوق السوداء لرفع الأسعار بنسبة 100%. وتغيب الرقابة الصارمة على الموزعين الجوالين، مما يترك المواطن ضحية لتقديرات البائع الشخصية بعيداً عن التسعيرة الحكومية الرسمية.

أجبرت هذه الأزمة العديد من العائلات في أقضية الأنبار ونواحيها على العودة لاستخدام "الحطب" والتنور الطيني ووسائل الطبخ البدائية التي هجرها العراقيون منذ عقود، مما يشكل عبئاً إضافياً على النساء وكبار السن، ويزيد من حالة السخط الشعبي تجاه الإدارة المحلية والوزارات المعنية.

يبقى الغموض سيد الموقف حول الأسباب الحقيقية للأزمة، فبينما يرى مواطنون أنها "أزمة مفتعلة" لإنعاش السوق السوداء، ينتظر الشارع الأنباري تدخلاً حكومياً عاجلاً لزيادة الحصص المقررة للمحافظة وتشديد الرقابة على محطات التعبئة والموزعين لإنهاء طوابير الذل التي باتت تؤرق كاهل المواطن.

تقرير: أحمد الدليمي – كوردستان24 – الانبار