ئاكرێ (عقرة) التاريخية: منازلٌ تتهاوى وإرثٌ يواجه خطر الاندثار

أربيل (كوردستان 24)- مع كل زخة مطر تهطل على مدينة عقرة العريقة، يستنفر الأهالي في أزقتها القديمة، لا للاستمتاع بالأجواء، بل لمواجهة خطر "الجدران المتساقطة". فالمنازل المهجورة التي صمدت لقرون باتت اليوم عبئاً يهدد حياة المارّة، محولةً الأزقة التاريخية إلى مسارات محفوفة بالمخاطر، حيث يضطر السكان لإزالة الأنقاض بأيديهم لفتح الطرقات التي تغلقها صخور المنازل المنهارة.

لم تعد هذه الانهيارات مجرد عائق لحركة السير، بل باتت هاجساً يؤرق العائلات. عدنان جمعة، وهو مقاتل في البيشمركة ومن سكان المنطقة، يصف الوضع بـ "المرعب"، قائلاً: "معاناتنا تبدأ مع أول قطرة مطر؛ الحجارة تتساقط والطرق تُسد في وجوهنا. نعيش حالة من القلق الدائم، وخوفنا الأكبر على أطفالنا وطلاب المدارس الذين يضطرون لسلوك هذه الأزقة يومياً. الخطر يحدق بنا من كل جانب".

أما بروار صديق، وهو أستاذ يسكن في قلب الأحياء القديمة، فيجد نفسه محاصراً بين أنقاض جيرانه، ويقول بحسرة: "منزلي الآن مطوق بالخرائب من جهتين بعد انهيار المباني المجاورة. الأمطار لم تعد تمر بسلام، فمع كل زخة تمتلئ غرف منزلي بالمياه، ناهيك عن شبح الانهيار الذي يهدد سقف بيتي في أي لحظة. نناشد الحكومة الالتفات لمعاناتنا بمسؤولية قبل وقوع كارثة".

تشير الإحصائيات الرسمية إلى وجود نحو 1800 منزل في الأحياء التاريخية بعقرة، يواجه أكثر من نصفها (قرابة 900 منزل) خطر الانهيار الوشيك. هذا الواقع يضع الجهات المعنية أمام تحدٍ كبير بين الحفاظ على الهوية المعمارية وتوفير الأمان للسكان.

وفي هذا الصدد، يوضح هيوا شمال، مدير آثار وتراث عقرة، حجم الأزمة قائلاً: "نحن أمام إرث عمراني ضخم مهدد بالضياع. نحتاج ماساً لتخصيص ميزانية سنوية ثابتة لترميم هذه المنازل وفق طرازها المعماري الفريد. الأهالي لا يملكون القدرة المالية لتحمل تكاليف البناء بالمواد التقليدية الأصلية، وهنا يجب أن تتدخل الحكومة لتوفير الدعم اللازم".

تكمن العقدة الكبرى في الأزمة، حسب شهادات السكان، في "الشروط الصارمة" التي تفرضها بلدية عقرة ومديرية الآثار. فعلى المواطن الراغب في ترميم منزله الالتزام باستخدام المواد والوسائل التقليدية القديمة حصراً، وهو ما يراه الأهالي "شرطاً تعجيزياً"؛ نظراً للتكلفة الباهظة لهذه المواد وندرتها، وصعوبة توفير الأيدي العاملة المتخصصة في هذا الطراز المعماري.

إن استمرار انهيار هذه المباني لا يشوه المنظر الجمالي لـ "عروس كردستان" فحسب، بل يؤدي تدريجياً إلى إخلاء هذه الأحياء من سكانها الأصليين، وهو ما يثير مخاوف جدية من فقدان عقرة لهويتها التاريخية وتراثها الذي يميزها عالمياً. وبين مطرقة القوانين التراثية وسندان الإمكانيات المادية المحدودة، تبقى جدران عقرة القديمة تنتظر حلولاً عاجلة قبل أن تتحول بالكامل إلى ركام تحت أقدام الزمن والأمطار.

تقریر: آري حسين – كوردستان24 – ئاكرێ (عقرة)