آفان عمر: الفن هو المجال الوحيد الذي استطعت فيه العمل والتفكير بحرية
أربيل (كوردستان24)- في هذا الحوار الخاص مع "كوردستان 24"، تسلط الكاتبة والفنانة التشكيلية آفان عمر الضوء على تجربتها الفنية وتتحدث عن أحدث مشاريعها قائلة: "أنا مشغولة حالياً بعرض مشترك في مدينة أوترخت الهولندية مع فنانين أجنبيين آخرين، حيث أشارك بعدة أعمال، من بينها مشروعي (صفر فن - Sifr Hunar)".
حدثينا عن تجربتك في مجالي الفن والكتابة.
نظراً لأن عائلتي كانت تضم العديد من الخطاطين والرسامين، فقد كان الفن والتشكيل موضوعاً حيوياً ومستمراً في منزلنا. بدأت الرسم منذ طفولتي وكنت متميزة في هذا المجال مقارنة بسني، لدرجة أنه كانت تُقام لي معارض خاصة ضمن الأنشطة المدرسية.
بعد إتمام الدراسة الإعدادية، التحقت بكلية الفنون بشغف كبير. وفي عام 2009 غادرت البلاد وأعيش في هولندا منذ ذلك الحين. بعد استقراري هناك، بدأت الدراسة في "المعهد الفني الهولندي في أرنهيم"، وحصلت منه على شهادة الماجستير في عام 2017. حالياً، أعمل كفنانة مستقلة في مشاريع وأعمال فنية متنوعة.
منذ بداية عام 2000 وحتى الآن، أعمل بنشاط في الوسط الفني كفنانة، وأنا أعتبر نفسي فنانة تشكيلية ولست كاتبة؛ فمحاولاتي في الكتابة جاءت تلبية لمتطلبات عملي في الوسط التشكيلي. بدأت في عام 2006 بإعداد وترجمة بعض النصوص من الإنجليزية إلى الكوردية حول فنانين عالميين وأساليب عملهم المختلفة، وكان ذلك نابعاً من حاجتي الخاصة للاطلاع على الفن العالمي، لكنني رغبت في مشاركة هذه المعلومات مع من يحتاجونها مثلي، فقمت بتنظيمها ونشرها. لاحقاً، نشرت نصوصاً حول "قضية الآخر في عيون الرجل الأبيض والاستعمار"، وهو بحث أجريته حول الصورة النمطية (Stereotype). ثم جاء مشروع "صفر فن" الذي طُبع الآن في مجلدين ويظهر كعمل كتابي لي.
لقد قمت بمفردي بصياغة الحوارات واختيار الفنانين وكتابة النقاشات، وهذا المشروع بالنسبة لي هو بحث وجزء من مشاريعي الفنية؛ لذا كانت الكتابة ضرورة لبناء هذا المشروع القائم على الحوار وجمع الأرشيف. كما نشرت قصتين قصيرتين هما أيضاً كتابة، لكنني عملت فيهما بأسلوب بصري؛ أي أنني شعرت بالأشياء من حولي ورأيتها، واكتفيت بكتابتها وتنظيمها، وتلك القصص تتناول موضوع "الجسد".
لقد درستِ فن الرسم (Painting)، لماذا لا تعملين كثيراً في هذا المجال؟
في كلية الفنون، تعلمت تقنيات الرسم بشكل علمي وأكاديمي، لكن يمكنني القول إنني تعرفت على الفن الحقيقي في البيئة الفنية خارج الكلية. لذا، رغم تخرجي من قسم الرسم، لم أمارس الرسم كمهنة بعد التخرج، بل استخدمت وسائط فنية مختلفة مثل: "الأداء" (Performance)، و"فن الفيديو" (Video Art)، و"الإنستليشن" (Installation). هذه الأساليب تتناسب أكثر مع أفكار أعمالي.
عندما بدأت العمل، أدركت مدى القيود التي يفرضها المجتمع والأسرة والبلاد بشكل عام على مجالات عمل المرأة. في ذلك الوقت، كان خروجنا كنساء محدوداً جداً ومقتصراً على الاحتياجات الضرورية (الوضع الآن أفضل قليلاً)، لذلك أدركت أن جسدي هو مادة عملي (Material). كان عليّ أن أعمل من خلال حضور جسدي في الساحة الفنية، وليس مجرد رسم لوحة في المنزل وعرضها في قاعة مرة واحدة في السنة؛ هذا لم يكن كافياً بالنسبة لي. لذا بدأت بسلسلة من أعمال "الأداء" مستخدمةً جسدي مع الأشياء المحيطة بي. في تلك الفترة، كان كوردستان يمر بمرحلة مختلفة بعد سقوط نظام صدام، مما خلق انفتاحاً ملحوظاً على العالم، وسمح بظهور نقد وحوارات فنية عالمية في كوردستان، واستفدنا منها كثيراً. بدأنا نفكر "عالمياً" كشباب، وخلال دراستي دخلت في حوارات مع مجموعة من الأصدقاء القادمين من معهد الفنون الجميلة، وجمعتنا الرغبة في التفكير باتجاهات مختلفة، فقمنا بمشاريع تختلف عن الأسلوب التقليدي السائد آنذاك (الرسم والنحت التقليدي).
تحدثي لنا عن مشروع "صفر فن" ومشروع "هؤلاء البشر يعملون".
هذان المشروعان هما من أكبر مشاريعي التي أعمل عليها منذ عام 2020 في إقليم كوردستان وهولندا. مشروع "هؤلاء البشر يعملون" يتناول هوية العمل، وقد شارك فيه العديد من الفنانين بأفكار مختلفة وعرضوا أعمالهم في كوردستان، كما ساهم فيه كُتاب ومفكرون بنصوص وسيناريوهات حول مفهوم المشروع. أنا أعمل كمنسقة وفنانة في هذا المشروع، وقد نظمت سلسلة عروض في قاعات مختلفة بكوردستان. في هذا المشروع، أتحنا الفرصة للجميع للمشاركة وليس فقط الفنانين والكتاب.
أما "صفر فن"، فهو مشروع حول الفن التشكيلي في جنوب كوردستان في الفترة من 1990 إلى 2010، وهما عقدان مر فيهما كوردستان بظروف اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية متباينة جداً. بُني المشروع على الحوار، حيث استضفت مجموعة من الفنانين والكتاب في نقاشات نقدية تناولت قضايا تاريخية وفنية وشخصية هامة. ومن خلال جمع الوثائق وأرشيف الأعمال وحوارات الأجيال المختلفة، استطاع المشروع خلق رؤية خاصة وتقارب فني جيد.
كم كتاباً لديكِ في المجال الفني؟
لدي كتاب "صفر فن" فقط، وهو مشروع واحد لكنه مطبوع في مجلدين وبحجم يصل إلى 600 صفحة تقريباً، وهو متاح الآن للقراء والمهتمين بالفن. في العام الماضي، طُبع أحد مشاريعي التي نفذتها مع الناس في كتيب صغير بعنوان "مذاقات استقلالك"، وهو مشروع قمت به حول الطعام والذاكرة. كما شاركت في منشورات أخرى كفصل (Chapter) في كتاب، مثل كتاب "Inland" الذي شارك فيه 16 فناناً؛ حيث كتبت فصلاً باللغة الإنجليزية يتناول موضوع "الجسد، وجسد المرأة الكوردية في القرية والجبل والمدينة".