كوردستان والسعودية.. شراكة استثمارية تتقدم بثبات من أربيل
أربيل (كوردستان24)- أكّد رئيس هيئة الاستثمار في حكومة إقليم كوردستان، محمد شكري، أن تجربة الإقليم خلال العقدين الماضيين شكّلت «قصة صمود وبناء»، مشدداً على أن كوردستان تمضي اليوم في مسار اقتصادي واضح يقوم على التنويع وجذب الاستثمارات النوعية، لا سيما من المملكة العربية السعودية.
جاء ذلك خلال المنتدى الاقتصادي السعودي – إقليم كوردستان الذي انعقد، اليوم الأحد 8 شباط/فبراير 2026، في مدينة أربيل، بحضور مسؤولين حكوميين ومستثمرين ورجال أعمال من الجانبين.
وأوضح محمد شكري أن إقليم كوردستان يتقاطع في رؤيته الاقتصادية مع التحول التاريخي الذي تشهده المملكة العربية السعودية، قائلاً إن «الأهداف متشابهة، والقدرات المتاحة لدى الطرفين تكمل بعضها بعضاً»، ما يفتح الباب أمام شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
ودعا رئيس هيئة الاستثمار الشركات السعودية إلى الدخول بقوة في ثلاثة قطاعات رئيسية:
الزراعة: لتعزيز الأمن الغذائي، مستفيدة من خصوبة التربة وتوافر المياه والمناخ الملائم في الإقليم.
الصناعة: لتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا سيما في مواد البناء والإنتاج المحلي.
السياحة: عبر تطوير الجبال والمصايف وتحويلها إلى وجهات سياحية عالمية.
وفي ختام كلمته، طمأن محمد شكري المستثمرين بأن قانون الاستثمار في إقليم كوردستان يضمن المساواة الكاملة بين المستثمر المحلي والأجنبي، ويوفر إعفاءات جمركية وضريبية واسعة، إلى جانب حرية تحويل الأرباح ورؤوس الأموال من وإلى الخارج، مؤكداً جاهزية الشركات المحلية والغرف التجارية لإنشاء مشاريع مشتركة مع المستثمرين السعوديين.
القنصل محمد العسيري: 17 شركة سعودية كبرى تبحث عن شراكات دائمية
من جانبه، رسم القنصل العام للمملكة العربية السعودية في أربيل، محمد العسيري، ملامح الدبلوماسية الاقتصادية الجديدة، مؤكداً أن الوفد السعودي يضم أكثر من 17 شركة من "العيار الثقيل".
وفي حديثه عن آفاق التعاون، قال العسيري: "لقد جئنا لنبني شركات ناجحة تكون قدوة لغيرها. لقاءات المستثمرين السعوديين مع نظرائهم في كوردستان كانت مثمرة جداً، ونتطلع في هذه الجولة الأولى إلى وضع حجر الأساس لمشاريع كبرى ستغير خارطة الأعمال في المنطقة". وأكد العسيري أن التوجه السعودي نحو أربيل يأتي نتيجة للقناعة التامة بوجود فرص حقيقية ونمو مستدام.
د. محمود السعدون: الذكاء الاصطناعي بوابة التحول في كوردستان
وعن قطاع التكنولوجيا والوظائف المستقبلية، تحدث الدكتور محمود السعدون، المدير الإقليمي لشركة CSA Arabia، بنظرة ملؤها التفاؤل حيال التحول الرقمي في الإقليم.
وقال السعدون: "لقد فاقت طبيعة كوردستان وحفاوة شعبها توقعاتنا. نحن الآن في طور إنجاز شراكة مع إحدى كبرى شركات الاتصالات لتمكين تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإقليم والعراق ككل". وأوضح السعدون أن الاستثمار في "الذكاء الاصطناعي" في أربيل سيخلق جيلاً جديداً من الوظائف التقنية العالية، ناصحاً جميع المستثمرين بالتوجه إلى كوردستان لأنها "بلد آمن وشعبها لطيف وبيئة العمل فيها مشجعة للغاية".
محمد الطاسان: أربيل رائدة الحلول الرقمية والمالية
وفي سياق متصل، أكد محمد الطاسان، الرئيس التنفيذي لشركة OmniOps المتخصصة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أن أربيل مهيأة لتكون "حاضرة أعمال العراق" والمركز المالي الأبرز.
وصرح الطاسان قائلاً: "ما يميز أربيل هو القوانين الواضحة وقاعدة البيانات الكبيرة والخدمات البنكية المتطورة. نحن لا نستهدف قطاع النفط والغاز فحسب، بل نرى فرصاً هائلة في الحلول الرقمية والمالية والصناعة". ودعا المستثمرين السعوديين لاقتناص الفرص الحالية، مؤكداً أن شركته ستكون من أوائل المستثمرين في قطاعات الطاقة والحلول الرقمية بالتعاون مع الشركات المحلية الكوردستانية.
د. عبد العزيز الكحيص: خبرات التعدين السعودية تحت تصرف الإقليم
أما في قطاع الموارد الطبيعية والصناعة الثقيلة، فقد أبدى الدكتور عبد العزيز الكحيص الشمري، المدير العام لشركة مصادر الخليج للتعدين (GMRC)، استعداداً كاملاً لنقل الخبرات السعودية المتقدمة إلى أربيل.
وقال الشمري بلهجة ملؤها المودة: "شهادتنا في كوردستان مجروحة، فهم أهلنا وناسنا. نحن هنا لاستكشاف فرص التعدين والصناعة، ووضع كافة خبراتنا تحت تصرف الإخوان في الإقليم". وأضاف: "لقد استعرضت هيئة الاستثمار فرصاً عديدة، وسندرسها بعناية لنبدأ التنفيذ على أرض الواقع في أقرب وقت ممكن. من يأتي إلى هنا سيتفاجأ بأن الواقع أجمل بكثير من التوقعات".
وفي ختام المنتدى، كشف محمد شكري أنه وبإشراف مباشر من رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، تم إطلاق مسار استراتيجي لتنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على النفط والغاز فقط، موضحاً أنه خلال عام 2025 وحده جرى منح إجازات لأكثر من 210 مشاريع استثمارية جديدة، برأسمال تجاوز 4 مليارات دولار.
وشهدت العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين إقليم كوردستان والمملكة العربية السعودية تطوراً تدريجياً ومتواصلاً خلال السنوات الماضية، تُوّج بعدد من المحطات المفصلية.
ففي 22 شباط/فبراير 2016 افتُتحت القنصلية السعودية في أربيل، أعقبها افتتاح السفارة السعودية في العراق بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2016، في خطوة عكست توجهاً رسمياً لتعزيز الحضور الدبلوماسي والعلاقات الثنائية.
وفي 23 نيسان/أبريل 2019، أعلن صالح بن شباب السلمي، رئيس هيئة تنمية الصادرات السعودية، في تصريح لقناة كوردستان24، عن رغبة بلاده في زيادة حجم الاستثمارات في إقليم كوردستان، مؤكداً أنه «لا توجد أي مخاوف أو تردد حيال أسواق الإقليم».
كما التقى رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في 2 كانون الأول/ديسمبر 2019 في أبوظبي، حيث جرى بحث آفاق التعاون المشترك.
وفي 15 آب/أغسطس 2023، عُقدت القمة الاقتصادية بين إقليم كوردستان والمملكة العربية السعودية، بمشاركة 34 شركة سعودية، شكّلت دفعة قوية لمسار الشراكة الاقتصادية بين الجانبين.
وعلى الصعيد التجاري، شهد 18 تموز/يوليو 2024 تصدير أكثر من 10 آلاف طن من رقائق البطاطا المنتَجة في إقليم كوردستان عبر خمس شاحنات، إلى كل من الأردن والمملكة العربية السعودية.
وفي 21 كانون الثاني/يناير 2025، التقى مسرور بارزاني، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، مع خالد الفالح، وزير الاستثمار السعودي، حيث أكدا على أهمية تعزيز العلاقات وتوسيع مجالات التنسيق الاقتصادي والاستثماري.
وفي هذا السياق، وصل يوم الجمعة وفد تجاري سعودي يضم 17 مستثمراً إلى مدينة أربيل، تزامناً مع انعقاد المنتدى الاستثماري بين إقليم كوردستان والمملكة العربية السعودية، الذي تستضيفه أربيل اليوم، في خطوة جديدة لتعميق الشراكة وبحث فرص الاستثمار المستقبلية بين الجانبين.