ديلان يشيلغوز.. من "قوارب اللجوء" الكوردية إلى "القبضة الحديدية" للأمن والدفاع في هولندا

أربيل (كوردستان24) في المشهد السياسي الأوروبي المعاصر، نادراً ما تجتمع قصة لجوء تراجيدية مع قيادة حزب يميني ليبرالي صلب، لكن ديلان يشيلغوز كشرت عن أنيابها السياسية لتكسر هذه القاعدة. لا تُصنف يشيلغوز اليوم بصفتها أول امرأة تقود حزب "الشعب من أجل الحرية والديمقراطية" (VVD) فحسب، بل يُنظر إليها كـ "مهندسة الأمن القومي" التي أعادت صياغة مفهوم القوة في السياسة الهولندية المعاصرة.

ولدت ديلان يشيلغوز عام 1977 في أنقرة، لعائلة كوردية علوية تنحدر أصولها من منطقة "ديرسم" (تونجلي) التاريخية، وهي منطقة عُرفت بروحها التحررية وإرثها النضالي. كان والدها، "يوجيل يشيلغوز"، أكاديمياً وناشطاً حقوقياً بارزاً، دفع ثمن نشاطه السياسي بالفرار من تركيا عقب انقلاب عام 1980 العسكري.

في سن الثامنة (عام 1984)، خاضت الطفلة ديلان رحلة لجوء محفوفة بالمخاطر عبر بحر إيجة للوصول إلى اليونان، ومنها إلى هولندا. هذه الخلفية الكوردية لم تكن مجرد تفصيل تاريخي، بل كانت المحرك الأساسي لشخصيتها؛ فهي تصف نفسها دائماً بـ "المقاتلة"، وترى أن نشأتها في بيئة ناضلت من أجل الحرية جعلتها تدرك مبكراً أن "الأمن" هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الديمقراطية، وهو ما يفسر تحولها من يسارية في شبابها إلى واحدة من أقوى أصوات اليمين الليبرالي.

رغم بقائها في البرلمان كزعيمة للكتلة البرلمانية لضمان تماسك الائتلاف الحكومي الرباعي، إلا أن يشيلغوز تُعتبر "الدينامو" المحرك للسياسات السيادية. فبموجب الاتفاقيات الحكومية، يمسك حزبها (VVD) بملفي الدفاع والعدل، وتتولى هي الإشراف المباشر على تنفيذ "أجندة القوة" الهولندية التي ترتكز على ثلاثة أعمدة:

إعادة التسليح الاستراتيجي: تقود يشيلغوز التوجه البرلماني لرفع ميزانية الدفاع لتتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي، التزاماً بمعايير الناتو. وتحت إشرافها، أبرمت هولندا صفقات تسليح كبرى تشمل مقاتلات F-35 وصواريخ بعيدة المدى، متبنية شعار "السلام ليس مجانياً".

الدعم المطلق لأوكرانيا: تُعد من أبرز الأصوات الأوروبية المنادية بتزويد كييف بالأسلحة الثقيلة، منطلقة من رؤية أمنية تعتبر أن ردع التوسع الروسي هو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الهولندي.

العقيدة العسكرية الحديثة: تدفع يشيلغوز نحو تحويل الجيش الهولندي إلى قوة "ذكية" تركز على الدفاع السيبراني ومواجهة التهديدات الهجينة، وربط الأمن الخارجي بحماية الداخل من التجسس والجريمة المنظمة.

 

تصنف المصادر الرسمية في أمستردام يشيلغوز كأقوى شخصية داخل الائتلاف الحاكم حالياً. فهي التي فاوضت على "عقد الثقة" بين الأحزاب الأربعة، وتعمل كـ "نائبة رئيس وزراء فعلية"؛ حيث ينسق وزراء حزبها معها بشكل يومي لضمان مواءمة القرارات الحكومية مع رؤية الحزب الصارمة في ملفات الهجرة والأمن.

وفقاً لتقارير "معهد كلينجينديل" للعلاقات الدولية، نجحت يشيلغوز في فرض معادلة جديدة توازن بين:

السيادة الوطنية: تقليل الاعتماد الاستراتيجي على الدول غير الديمقراطية.

التعاون الأطلسي: ترسيخ دور هولندا كشريك عسكري وتقني موثوق داخل حلف شمال الأطلسي.

تواجه يشيلغوز تحدياً فريداً؛ فهي اللاجئة السابقة التي تطالب اليوم بأكثر سياسات الهجرة صرامة في تاريخ بلادها، وهي الكوردية التي تقود أمن واحدة من أهم دول الاتحاد الأوروبي.

تُختصر قصة ديلان يشيلغوز في كونها "القبضة الحديدية" المغلفة برداء ليبرالي؛ استمدت من إرث عائلتها الكوردي الإصرار على المواجهة، ومن موطنها الهولندي الرؤية السياسية الطامحة لجعل بلادها لاعباً أمنياً وعسكرياً لا يمكن تجاوزه في القارة العجوز.

المصادر المعتمدة للتقرير:

الموقع الرسمي للحكومة الهولندية (Rijksoverheid).

سجلات مجلس النواب الهولندي (Tweede Kamer).

الأجندة السياسية لحزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية (VVD.nl).

تقارير معهد كلينجينديل للعلاقات الدولية  (Instituut voor Internationale Betrekkingen Clingendael)