العمارة الكوردية.. قصة حضارة نُحتت في الصخر وعُجنت بطين الأرض

أربيل (كوردستان24)- بين قمم جبال "زاغروس" الشاهقة وسهول "ميزوبوتاميا" الفسيحة، لا تروي الجدران في كوردستان قصصاً عن المأوى فحسب، بل تسرد ملحمة بقاء وتكيف صاغها الإنسان الكوردي عبر آلاف السنين. فالعمارة الكوردية ليست مجرد أحجار وأسقف، بل هي لغة صامتة تعيد تعريف العلاقة بين الهندسة والطبيعة.

يرى الخبراء والمهنيون في هذا المجال أن العمارة التقليدية هي تجسيد مادي وغير مادي للهوية الثقافية. ففي المناطق الجبلية كـ "دهوك" و"هورامان"، يبرز الحجر كعنوان للصمود؛ حيث تُبنى القواعد من أحجار صلبة مثل "الملكاني" و"شيركوش" و"بازي"، وهي أحجار جبليّة تُعرف بقوتها وتعدد ألوانها، وتُنتقى بعناية لتشكل أساسات قادرة على حمل ثقل الجدران العريضة.

أما في السهول، كما في مدينة أربيل القديمة، فقد كان الطين هو البطل. وتطورت تقنيات البناء من الطين المخلوط بالتبن (لضمان عدم التصدق أثناء الجفاف) وصولاً إلى "الكربوش الفني" (الآجر أو الطابوق الفخاري). هذه المواد لم تُختر عبثاً، بل كانت الحل الأمثل للتكيف مع المناخ، حيث توفر عزلاً حرارياً طبيعياً يحمي السكان من برد الشتاء القارس وحر الصيف اللاهب.

تتميز أحياء كوردستان القديمة، وخاصة في أربيل، بأزقة متعرجة ودروب ضيقة تنتهي أحياناً بنهايات مغلقة. هذه التصاميم لم تكن عشوائية، بل كانت تهدف إلى تعزيز مفهوم "الخصوصية". فالمنازل تُبنى بطريقة تمنع رؤية الداخل من الخارج، وتوفر بيئة آمنة للعائلات، مما يعكس القيم الاجتماعية الراسخة في الشخصية الكوردية.

يكشف الوثائقي عن تقنية مذهلة استُخدمت في بناء الأسقف، وخاصة في القصور والبيوت الكبيرة، وهي استخدام "القلال الفخارية الفارغة" (الجوزة) داخل بنية السقف. هذا الابتكار يخدم أهدافاً عدة:

تخفيف الوزن: تقليل الثقل الإجمالي على الجدران الحاملة.

العزل: توفير طبقة هوائية تعمل كعازل للحرارة والصوت.

الاقتصاد: تقليل كمية المواد المستخدمة في ملء الأسقف المرتفعة.

أبواب ونوافذ.. بوابات للتواصل

لم تكن النوافذ في العمارة الكوردية مجرد مصادر للضوء، بل كانت بوابات تواصل فلسفية ودينية. وتُزين الأبواب الخشبية القديمة بنقوش وزخارف يدوية دقيقة، تحمل رموزاً للشمس والنجوم والأشجار، وهي رموز تعود بجذورها إلى حضارات زاغروس القديمة مثل "الغوتيين" و"اللولوبيين"، وتستمر كشاهد على استمرارية الإرث الحضاري.

صرخة للحماية والترميم

اليوم، يقف هذا الموروث المعماري أمام تحديات الاندثار. ويؤكد الباحثون أن الحفاظ على هذه البيوت القديمة هو في جوهره حفاظ على الذاكرة الجماعية للأمة الكوردية. فكل حجر ينهار من هذه الجدران يمثل ضياع صفحة من تاريخ الأجداد.

إن العمارة الكوردية بجمالياتها وبساطتها، تظل مدرسة في "الهندسة المستدامة"، حيث استطاع المعماري الكوردي قديماً أن يبني حضارة متكاملة باستخدام ما تجود به الأرض، محققاً توازناً نادراً بين صلابة الجبل ونعومة الطين.

يركز التقرير على أن العمارة في كوردستان هي نتاج تفاعل عميق مع البيئة، وأن المواد المستخدمة (حجر، طين، خشب) تعكس ذكاءً هندسياً قديماً يهدف إلى الاستدامة والخصوصية والجمال في آن واحد.

إعداد: فريق التحرير في القسم العربي لكوردستان24 مستنداً إلى وثائقي بث على شاشة القناة