تصاعد معدلات الانتحار في العراق.. الأسباب والحلول الغائبة

أربيل (كوردستان24)- في بلدٍ عانى لعقود من حروب طاحنة وأزمات أمنية، برزت في السنوات الأخيرة "حرب من نوع آخر" لا عدو فيها سوى اليأس. لم تعد أخبار الانتحار في العراق مجرد حوادث عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة يومية تتصدر نشرات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، وآخرها الفاجعة التي هزت محافظة النجف الأشرف بإقدام شاب على قتل والده الأستاذ الجامعي ثم إنهاء حياته.

تشير البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية ومجلس القضاء الأعلى، بالإضافة إلى منظمات حقوق الإنسان، إلى منحنى بياني آخذ في الارتفاع. فبعد أن كانت حالات الانتحار تُسجل بالعشرات سنوياً قبل عقدين، باتت الآن تتجاوز حاجز الـ 700 إلى 1000 حالة مسجلة رسمياً كل عام، مع وجود عشرات الحالات الأخرى التي يتم التكتم عليها من قبل الأهالي لدوافع دينية واجتماعية، حيث تُسجل كحوادث قضاء وقدر أو "حروق منزلية".

يرى خبراء الاجتماع وعلم النفس أن الانتحار في العراق ليس نتاج سبب واحد، بل هو صرخة ناتجة عن تراكمات معقدة:

1.   الضغوط الاقتصادية: تأتي البطالة والفقر في مقدمة الأسباب. انسداد الأفق أمام الشباب والخريجين، وصعوبة تأمين لقمة العيش أو بناء مستقبل مستقر، يولد حالة من "الاغتراب النفسي" واليأس المطلق.

2.   الابتزاز الإلكتروني: برز هذا السبب بشكل مرعب في السنوات الخمس الأخيرة، خصوصاً بين الفتيات والنساء. التهديد بنشر صور أو معلومات خاصة في مجتمع محافظ يؤدي بالكثيرات إلى اختيار الموت هرباً من "الفضيحة" أو غسل العار.

3.   انتشار المخدرات: يؤكد متخصصون وجود رابط وثيق بين تعاطي المخدرات (وخاصة مادة الكريستال) وحالات الانتحار. فالمتعاطي يعاني من اضطرابات عقلية حادة وفقدان للسيطرة على الدوافع الانتحارية خلال فترة "الانسحاب" أو "الهلوسة".

4.   العنف الأسري: غياب القوانين الرادعة لتعنيف النساء والأطفال، والضغوط العائلية القاسية، تجعل من الانتحار وسيلة أخيرة للاحتجاج أو الهروب من واقع أليم.

5.   مخلفات الحروب: المجتمع العراقي يعاني من "اضطراب ما بعد الصدمة" نتيجة توالي الحروب. غياب مراكز التأهيل النفسي المجانية يجعل المريض يواجه صراعاته الداخلية وحيداً.

تثبت الإحصائيات أن فئة الشباب (15 - 30 عاماً) هي الأكثر إقداماً على الانتحار، تليها النساء. أما الطرق المتبعة فتتراوح بين "الشنق" وهي الأكثر شيوعاً، و"إطلاق النار"، و"الحرق"، فيما تبرز حوادث القفز من الجسور (خاصة في بغداد) كظاهرة مأساوية متكررة.

أطلقت الحكومة العراقية في وقت سابق "الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الانتحار"، والتي تهدف إلى نشر الوعي وتفعيل خطوط ساخنة للمساعدة النفسية. إلا أن مراقبين يؤكدون أن هذه الإجراءات لا تزال "حبراً على ورق" أمام حجم الأزمة، حيث تفتقر المستشفيات الحكومية إلى وحدات تخصصية كافية للطب النفسي، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي تلاحق من يزور الطبيب النفسي.

يؤكد مختصون أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة كافة:

اقتصادياً: خلق فرص عمل حقيقية للشباب وإصلاح النظام المعيشي.

قانونياً: تشريع قانون حماية الأسرة من العنف، وتغليظ العقوبات على المبتزين إلكترونياً.

صحياً: دمج الصحة النفسية ضمن مراكز الرعاية الأولية، وتوفير أدوية الاكتئاب بأسعار مدعومة.

إعلامياً ودينياً: الدور يقع على عاتق وسائل الإعلام ورجال الدين في تغيير الصورة النمطية عن المرض النفسي، ونشر ثقافة التسامح والاحتواء بدلاً من النبذ والتهديد.

إن كل حالة انتحار هي فشل جماعي للمجتمع والدولة في حماية أحد أفرادها. إن قضية الانتحار في العراق ليست مجرد ملف أمني، بل هي "قضية وطن" يحتاج إلى استعادة الأمل في قلوب أبنائه قبل أن يتحول الموت إلى الخيار الوحيد المتاح.