قرية "ديم غوستنه" في وان.. ملحمة البقاء ودفء التراث وسط بياض الثلوج
أربيل (كوردستان24)- عندما تشرق الشمس على قمم جبال مدينة "وان" المكسوة برداء أبيض ناصع، لا يبدو المشهد مجرد لوحة فنية صامتة، بل هو إيذان ببدء يوم جديد من العمل والمقاومة في قرية "ديم غوستنه" بكوردستان الشمالية (تركيا).هنا، حيث يعانق الفقر الطبيعي غنى التراث الثقافي، رصدت كاميرا برنامج "ريبار" تفاصيل حياة كوردية أصيلة لم تغيرها الحداثة، بل صقلتها قسوة الشتاء.
تُعرف القرية بهذا الاسم الذي يشير تاريخياً إلى ندرة المياه في بعض مواسمها، لكن سكانها حولوا هذا التحدي إلى ارتباط وثيق بالأرض وتربية المواشي. تقع القرية في منطقة (غوربينا)، وتتحول في فصل الشتاء إلى جزيرة بيضاء منعزلة، حيث تغيب الطرق المعبدة تحت أمتار من الثلوج، وتحضر الوسائل التقليدية كبديل وحيد للبقاء.
في ساحات القرية المكشوفة، يظهر الشبان والرجال وهم يجرون الزحافات الخشبية التي تجرها الحمير لنقل القش والأعلاف. التقت الكاميرا بالشاب "عبد الله"، أحد رعاة القرية، الذي تحدث بابتسامة لم تكسرها برودة الجو عن روتين يومه: "نبدأ من الصباح الباكر، نطعم الأغنام، ونعتني بالحيوانات. الحياة هنا صعبة لكنها مباركة".
لم يخلُ اللقاء من لمحات إنسانية، حيث دار حديث عفوي عن الزواج والعمل، عكس بساطة وطيبة إنسان هذه المنطقة الذي يجد في "الرزق الحلال" غايته الأسمى، رغم الظروف الاقتصادية التي تفرضها تربية المواشي في هذا الطقس القاسي.
بعيداً عن صقيع الخارج، تأخذنا الرحلة إلى داخل البيوت الحجرية القديمة، وتحديداً إلى "غرفة التنور". هذا المكان ليس مجرد مطبخ، بل هو القلب النابض للعائلة الكوردية في الشتاء. هنا تجتمع النساء، كالأم "كليزار" وبنات القرية، حول فوهة التنور المشتعلة بالخشب والروث الجاف (الكلة).
تقول إحدى السيدات وهي تعجن الطحين ببراعة: "التنور هو حياتنا، منه نأكل ومنه نتدفأ". رائحة خبز التنور الساخن والمأكولات التقليدية مثل "المجو" و"الكشك" تملأ المكان، لترسم مشهداً من التكافل الاجتماعي، حيث تجتمع العائلة والجيران لتقاسم لقمة العيش وتبادل الأحاديث التي تذيب جليد الشتاء.
يبرز التقرير كيف أن أهالي "ديم غوستنه" يرفضون التخلي عن هويتهم. فرغم هجرة البعض إلى المدن الكبرى مثل إسطنبول بحثاً عن المعاش، إلا أن الكثيرين اختاروا البقاء بجانب قطعانهم، معتبرين أن "البركة" تكمن في حياة القرية وبين الجبال. صوت "الآذان" المتردد في أرجاء القرية البيضاء، وصمت الجبال الشاهقة، يمنحان المكان هيبة ووقاراً نادراً.
إن رحلة برنامج "ريبار" إلى قرية "ديم غوستنه" في وان، لم تكن مجرد توثيق لطقس بارد، بل كانت استكشافاً لدفء القلوب البشرية. هي قصة شعب يكتب تاريخه بالصبر، ويخبز أحلامه في تنور التراث، ويؤكد للعالم أن الحياة، مهما قست ظروفها، تظل جميلة بجمال براءة أطفالهم وشموخ جبالهم.