"صرخة استغاثة" خلف الأرقام.. 110 حالات انتحار في العراق منذ مطلع 2026

أربيل (كوردستان 24)- بينما لم يطوِ العام 2026 سوى صفحاته السبع والأربعين الأولى، يواجه المجتمع العراقي مؤشرات مقلقة لظاهرة "النهاية القسرية"؛ إذ تشير التقديرات المستندة إلى البيانات الرسمية لوزارة الداخلية إلى تسجيل ما بين (85 إلى 110) حالات انتحار منذ بداية العام وحتى منتصف شباط/ فبراير الجاري. هذا الرقم، وإن بدا مجرداً، فإنه يخفي خلفه قصصاً من اليأس، وضغوطاً اقتصادية، وصرخات استغاثة لم تجد من يسمعها.

لغة الأرقام: منحنى تصاعدي خطير

تظهر القراءة التحليلية لمعدلات الانتحار في العراق اتجاهاً تصاعدياً "مزمناً" خلال السنوات الأخيرة؛ فبعد أن سجلت البلاد 1,073 حالة في عام 2022، قفز الرقم ليتجاوز حاجز الـ 1,500 حالة في عام 2024، مع مؤشرات أولية تشير إلى استمرار الارتفاع بنسبة تصل إلى 15% خلال العام الماضي والحالي.

وبمعدل شهري يتراوح بين 55 إلى 70 حالة، تتصدر محافظة ذي قار المشهد المأساوي، تليها العاصمة بغداد، ثم البصرة ونينوى، في توزيع جغرافي يعكس حجم الضغوط في مراكز المدن الكبرى والمناطق التي تعاني من أزمات خدمية واقتصادية حادة.

تشريح "اليأس": لماذا يختار العراقيون الرحيل؟

في محاولة لفهم الدوافع العميقة، يرى الدكتور خالد البصيصي، الخبير في علم النفس، أن الانتحار ليس مجرد فعل مفاجئ، بل هو "قرار يتخذه الإنسان لإنهاء حياته بمحض إرادته، مدفوعاً بقناعة داخلية مفادها أن الموت أفضل من الوجود".

ويوضح البصيصي في حديثه أن هذا الخيار هو نتاج "مسار طويل من المعاناة النفسية والتعاسة"، حاصراً الدوافع في ثلاثة محاور رئيسية:

الاضطرابات النفسية: وهي المحرك الذي يُفقد الفرد توازنه وقدرته على تقييم الواقع.

الضغط الاقتصادي: حيث يلعب الفقر والبطالة دوراً محورياً في تعميق الشعور بالعجز.

فقدان المرونة النفسية (Resilience): وهي القدرة على التأقلم مع الأزمات؛ إذ يرى البصيصي أن غياب هذه المهارة يجعل الأفراد أكثر عرضة للانهيار أمام الصدمات.

جيل الشباب.. الضحية الأكبر

تتفق الإحصائيات مع التحذيرات النفسية في أن فئة الشباب والمراهقين هي الأكثر استهدافاً؛ إذ تقع أكثر من 60% من الحالات ضمن الفئة العمرية (18-30 عاماً). ويعزو الخبراء ذلك إلى حساسية مرحلة المراهقة وما يصاحبها من تغيرات هرمونية ونفسية، فضلاً عن اصطدام طموحات الشباب بواقع اقتصادي معقد.

وعلى صعيد الجنس، تشير الأرقام إلى أن الذكور يشكلون نحو 60% من الحالات، بينما ترتبط نسبة كبيرة من حالات انتحار الإناث (40%) بظواهر اجتماعية مستحدثة، أبرزها "الابتزاز الإلكتروني" والعنف المنزلي.

المخدرات والابتزاز.. لاعبون جدد في ساحة الموت

لم تعد الأسباب التقليدية هي الوحيدة؛ فقد برزت في تقارير عام 2026 عوامل "مستحدثة" زادت من حدة الأزمة، وعلى رأسها إدمان المخدرات (خاصة مادة الكريستال) التي تؤدي إلى تدمير الجهاز العصبي واتخاذ قرارات انتحارية غير واعية. كما يبرز الابتزاز الإلكتروني ككابوس يطارد الفتيات، دافعاً إياهن نحو "النهاية القسرية" هرباً من الوصمة الاجتماعية.

مهارة "المرونة" كخط دفاع أول

عالمياً، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الانتحار يحصد أرواح 700 ألف شخص سنوياً، ويعد رابع سبب رئيسي للوفاة بين الشباب عالمياً. وفي العراق، يؤكد المختصون أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ما هو أكثر من الإجراءات الأمنية التقليدية.

واختتم الدكتور البصيصي رؤيته بالدعوة إلى "ثورة" في المناهج التعليمية والبرامج الاجتماعية لتعزيز "المرونة النفسية"، وتعليم الأفراد كيفية مواجهة الفشل والإحباط بطرق بناءة. فكل محاولة انتحار هي في جوهرها "صرخة استغاثة" لم تجد من يستجيب لها في الوقت المناسب، مما يحتم على المؤسسات الحكومية والمدنية فتح حوارات وطنية شاملة لكسر حاجز الصمت والوصمة المحيطة بالصحة النفسية.