بين مطرقة بوتين وسندان ترامب.. جنرال ألماني يحذر من "زلزال أمني" يهدد وحدة الناتو وهشاشة أوروبا
أربيل (كوردستان 24)- في وقت تمر فيه القارة الأوروبية بمنعطف تاريخي هو الأكثر خطورة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تصاعدت التحذيرات من داخل المؤسسة العسكرية الألمانية حول مستقبل الأمن الجماعي. لم تكن هذه المرة مجرد قراءات سياسية، بل جاءت على لسان اللواء وولف يورغن شتال، رئيس الأكاديمية الاتحادية للسياسة الأمنية (كلية الدفاع الوطني في برلين)، الذي رسم صورة قاتمة لمستقبل الحلف في ظل أطماع روسية متزايدة وتقلبات سياسية أمريكية غير مسبوقة.
طبول الحرب الاستباقية
أطلق اللواء شتال صرخة تحذير مدوية، مؤكداً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس بصدد خوض نزاع حدودي فحسب، بل إنه يستعد بنشاط لشن "حرب عدوانية" شاملة ضد حلف شمال الأطلسي (الناتو). ووفقاً لرؤية شتال، فإن ألمانيا ليست في مأمن بانتظار رصاصة الرحمة الأولى، بل إنها تتعرض بالفعل لهجمات متواصلة وممنهجة تستخدم فيها موسكو أدوات "الحرب الهجينة" أو الأساليب غير العسكرية، بدءاً من الهجمات السيبرانية وصولاً إلى حملات التضليل وزعزعة الاستقرار المجتمعي.
وشدد الجنرال في خطاب ألقاه أمام الجمعية الألمانية البريطانية على أن التهديد العسكري الروسي لم يعد مجرد فرضية بعيدة، قائلاً: "سنشهد أموراً لا يمكننا حتى تخيلها الآن". وأضاف بلهجة حازمة أن تقييم سلوك بوتين التاريخي ومهمته المعلنة ضد الغرب لا يترك مجالاً للشك في أنه سيستخدم الوسائل العسكرية بمجرد أن تسنح له الفرصة، مما يضع أوروبا أمام حتمية المواجهة أو الاستعداد الاستثنائي.

معضلة "الرئيس المتقلب"
بينما تحاول أوروبا تعزيز دفاعاتها، تبرز واشنطن كعنصر قلق بدلاً من كونها مصدر طمأنينة. وصف شتال الرئيس الامریکي دونالد ترامب بـ "المتقلب"، معتبراً أن شخصيته وتوجهاته "الفوضوية" تجاه الحلفاء تمثل أكبر تحدٍ فكري واستراتيجي يواجهه القادة العسكريون في أوروبا.
ورغم أن الجنرال أبدى ثقته في أن الولايات المتحدة ستستمر في توفير "المظلة النووية" لحلفائها، إلا أنه لم يغفل الإشارة إلى التناقض الصارخ بين الالتزامات المؤسسية الأمريكية وبين تصريحات ترامب العدائية. وأوضح شتال أن هذا التقلب يضعف تماسك الحلف؛ فبينما يؤكد المسؤولون الأمريكيون في مؤتمرات الأمن (مثل مؤتمر ميونخ) على أن استقرار أوروبا مصلحة حيوية، تأتي تصريحات "الرئيس المتقلب" لتهدم هذه الثقة، مما يترك الحلفاء في حالة من التوجس الدائم.
سيناريوهات السقوط وممر "سوالكي"
على وقع مناورات "ستيدفاست دارت" (Steadfast Dart) التي تستضيفها ألمانيا بمشاركة 7300 جندي، تبرز مخاوف جيوستراتيجية تتعلق بـ "ممر سوالكي". هذا الشريط الضيق الذي يمتد لمسافة 40 ميلاً على الحدود البولندية الليتوانية يمثل "عقب أخيل" بالنسبة للناتو، فهو الجسر البري الوحيد الذي يربط دول البلطيق ببقية الحلفاء.
وأشار شتال إلى محاكاة حربية مثيرة للجدل عُرضت في بودكاست "إرنستفال" (حالة طوارئ)، صورت سيناريو احتلال روسيا لهذا الممر. الصادم في تلك المحاكاة لم يكن الهجوم الروسي بحد ذاته، بل رد الفعل السياسي الغربي؛ حيث أظهرت المحاكاة تردداً ألمانياً ورفضاً أمريكياً لتفعيل المادة الخامسة من معاهدة الناتو (الدفاع المشترك)، مما أدى إلى شلل الحلف.
وأعرب شتال عن قلق عميق من أن السياسيين الألمان قد يميلون إلى "الدبلوماسية العاجزة" في حال استولت روسيا على أجزاء صغيرة من أراضي الناتو، مثل مدينة "نارفا" الإستونية، بدافع الخوف من التصعيد العسكري الشامل. وحذر من أن أي تردد في استعادة أراضي الحلف "بحكم الواقع" وليس فقط "بحكم القانون" سيعني نهاية المصداقية الأمنية للناتو.

الجدل النووي والسيادة الدفاعية
في ظل هذا الارتباك، طُرحت تساؤلات حول ضرورة امتلاك أوروبا لردع نووي مستقل عن واشنطن. ورغم أن شتال يرى أن تطوير بدائل لقيادة الناتو قد يكون له نتائج عكسية، إلا أن النقاش بدأ يتسرب إلى أروقة الحكم في برلين.
المستشار الألماني فريدريش ميرز استبعد بناء ترسانة نووية وطنية ألمانية، لكنه طرح فكرة "نظرية" تثير الكثير من التحديات التقنية والسياسية، وهي إمكانية حمل الطائرات الألمانية (مثل إف-35) لرؤوس حربية بريطانية أو فرنسية. ومع ذلك، يظل هذا الطرح معقداً، خاصة وأن الترسانة البريطانية تعتمد كلياً على صواريخ "ترايدنت دي 5" التي تطلق من الغواصات، ولا يوجد حالياً نظام لتكييفها للعمل جوياً عبر الأسطول الألماني، مما يجعل التصريحات السياسية تسبق الواقع التقني بمراحل.
الجبهة الداخلية: الهجرة واليمين المتطرف
لم يقتصر تحذير الجنرال شتال على التهديدات الخارجية، بل امتد ليشخص "هشاشة الداخل" الألماني. وانتقد بشدة تركيز وزارة الداخلية على ملف الهجرة على حساب إهمال الدفاع المدني وتجهيز البنية التحتية للأزمات العسكرية. كما حذر من أن الهياكل الإدارية اللامركزية في ألمانيا تتسم بالجمود الذي قد يمنعها من الاستجابة السريعة في حال وقوع كارثة أمنية.
أما الخطر الأكبر الذي يهدد التماسك الاجتماعي -وهو أحد أركان الأمن الأربعة التي ذكرها شتال- فيتمثل في صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD). ووصف الجنرال الحزب بأنه من "القوى المعادية للديمقراطية"، معرباً عن قلقه من تصدره لنتائج الانتخابات الإقليمية المقبلة في شرق ألمانيا. واختتم شتال رؤيته بدعوة الشعب الألماني لليقظة السياسية، مؤكداً أن التصويت "بالطريقة الصحيحة" هو الضمانة الوحيدة لحماية النظام الديمقراطي الليبرالي من الانهيار أمام القوى الراديكالية المدعومة، بشكل أو بآخر، من خصوم الغرب.
تضع تصريحات اللواء وولف يورغن شتال ألمانيا وأوروبا أمام مرآة الحقيقة؛ فالأمن الذي نعم به القارة لعقود لم يعد مضموناً. بين طموحات "القيصر" في الكرملين وتقلبات "الرئيس" في واشنطن، تجد أوروبا نفسها مضطرة لإعادة تعريف مفهوم السيادة، ليس فقط من خلال السلاح، بل من خلال وحدة القرار السياسي والتماسك الاجتماعي الداخلي قبل فوات الأوان.
المصدر: صحیفة تایمز البریطانیة