سوق "النحاسين" بدمشق.. سيمفونية المطارق التي لم تهدأ منذ 300 عام

أربيل (كوردستان24)- في قلب دمشق القديمة، وتحديداً في منطقة "الكلاسة" المتاخمة لقلعة دمشق والجامع الأموي، يمتد سوق "النحاسين" كواحد من أعرق الأسواق التراثية التي تشكل جزءاً حيوياً من الهوية التاريخية للمدينة. هنا، لا تتوقف عقارب الساعة عند حدود الزمن، بل تسكن في تفاصيل النحاس المشغول يدوياً، وتفوح من أزقته رائحة التاريخ الممزوجة بأصوات الطرق المنتظمة.
خلف كل مطرقة وإزميل في هذا السوق، تسكن حكاية جيل. يقول محمد شريف مدني أحد الحرفيين القدامى في السوق: "هذه المهنة هي ميراثنا وعزنا، أباً عن جد. لقد ورثتها عن والدي، واليوم يورثها ابني عني. ورغم غزو الآلات والماكينات الحديثة، إلا أنها لم تستطع أن تسرق بريق العمل اليدوي أو تغني عنه؛ فالمكانة والروح تظل في اللمسة البشرية".
في ورشة مجاورة، يؤكد احمد المدني (نحاس) حرفي شاب أن السوق يتجاوز عمره الـ 300 عام، مشيراً إلى التحولات التاريخية للمكان: "هذا السوق كان قديماً يُستخدم كـ (خان) أو فندق للمسافرين، وكانت هذه المحلات عبارة عن إسطبلات للخيول، قبل أن تتحول بمرور السنين إلى مركز لصناعة النحاسيات التي تعد من أقدم المهن الحرفية في العالم، جنباً إلى جنب مع مهنة الحدادة العربية".
تعتمد حرفة النحاس على الدقة المتناهية والصبر الطويل. يحول الحرفيون صفائح النحاس الصماء إلى قطع فنية تنبض بالحياة، بدءاً من الأواني المنزلية والأباريق التقليدية، وصولاً إلى الصواني المزخرفة واللوحات التي تحمل نقوشاً هندسية ونباتية مستوحاة من التراث الإسلامي والدمشقي العريق.
لم يكتفِ نحاس دمشق بحدود السوق الضيقة، بل شق طريقه نحو الأسواق العالمية. وأوضح اسامه فتيلة(تاجر)  صاحب محل في لقاء مع "كوردستان 24": "لدينا تصدير إلى مختلف دول العالم؛ من الخليج العربي إلى أوروبا، ومن العراق إلى تركيا. الزبائن يبحثون عن (شغل الشام) الأصيل، يقتنون الخناجر، ركوات القهوة، وقطع الديكور التي تذكرهم بعبق دمشق وتراثها".
اليوم، يظل سوق النحاسين مقصداً رئيساً للسياح والزوار الراغبين في استكشاف كنوز دمشق المنسية. ومع كل طرقٍ لمطرقة على قطعة نحاس، يرسل الحرفيون رسالة صمود، تؤكد أن التراث الدمشقي عصيٌّ على الاندثار، وأن هذه المهنة ستظل "شاهدة حية" على استمرارية الإبداع السوري عبر العصور.


تقرير: أنور عبداللطيف – كوردستان24 – دمشق