آخر ساموراي في اليابان: ربة منزل تستعد لإنهاء قصة المحارب

أربيل (كوردستان 24)- ميكي ياماغيشي، عازفة تشيلو تبلغ من العمر 57 عاماً من مدينة ناغويا، وهي من سلالة الشوغون الخامس عشر والأخير؛ تعلن أن الوقت قد حان لأسدال الستار على سلالة عائلتها.

في مقهى فندق "إمبريال"، حيث تتناول سيدات طوكيو الأنيقات شاي ما بعد الظهيرة، تبدو ميكي ياماغيشي في بيئتها الطبيعية. بسترها الزرقاء الداكنة ووشاحها الحريري، تظهر تماماً كما هي: امرأة وقورة من الطبقة المتوسطة، وزوجة لرجل أعمال من الأقاليم.

تتحدث الإنجليزية بطلاقة بفضل دراستها في لندن، وهي موسيقية هاوية بارعة تحمل آلة "التشيلو" الخاصة بها في علبتها السوداء أينما ذهبت. لكن هذه المظاهر التقليدية تُخفي وراءها هوية سرية مذهلة، تشبه في تباينها شخصيتي "بيتر باركر" أو "كلارك كينت"؛ فياماغيشي، ربة المنزل الخمسينية، هي "آخر ساموراي".

على مدى السنوات الثماني الماضية، ترأست ميكي "بيت" جد جدها، يوشينوبو توكوغاوا، وهو آخر شوغونات اليابان (الحكام العسكريون الذين حكموا البلاد خلال العصر الإقطاعي وقادوا طبقة المحاربين المعروفة باسم الساموراي).

قد يدرك زوار المعرض الحالي في المتحف البريطاني، أو مشاهدو المسلسل الدرامي "شوغون"، ملامح من ثقافة الساموراي التي مزجت بين الجماليات الراقية، والخبرة الفنية، وفنون الحرب الضارية. ورغم أن "الشوغونية" أُجبرت على التنازل عن السلطة في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن أحفادهم في اليابان المعاصرة ما زالوا يدركون جيداً قيمة نسبهم. لم يتوقع أحد – ولا حتى ياماغيشي نفسها – أن تؤول إدارة إرث "بيت يوشينوبو" إليها، وهو ما فجّر نزاعات ومعارك قانونية ومواجهات حادة مع أقربائها.

تقول ياماغيشي: "كان من غير المتصور أن تتولى امرأة رئاسة عائلة توكوغاوا. سمعتُ الكثير من العبارات مثل: 'لا يمكنها فعل ذلك، إنها امرأة'، وكان الناس يقولون: 'أخوها أفضل منها'، أو 'أليس زوجها أنسب؟'". لكن المثير للدهشة حقاً هو قرارها الحاسم بإنهاء إرث العائلة وقطع نسلها للأبد.

 

نشأت ياماغيشي نشأة تقليدية لأب يعمل في شركة "هوندا"، وتنقلت مع شقيقيها الأكبر سناً بين المدارس الحكومية تماًشياً مع تنقلات والدها الوظيفية. لكنها أدركت منذ نعومة أظفارها أن عائلة والدتها تحمل إرثاً استثنائياً.

فمرتين في السنة، كانت العائلة ترتدي أبهى حلتها لزيارة قصر "تاكاناوا" الإمبراطوري، مقر إقامة عمة والدتها، الأميرة كيكوكو (شقيقة زوج الإمبراطور هيروهيتو). وهناك تعلمت مع أقاربها استخدام لغة يابانية راقية جداً؛ فبدلاً من "أريغاتو" التقليدية للشكر، كان عليهم استخدام كلمة "أوسوريريماسو" الأكثر تبجيلاً.

تقول ميكي: "خلال نشأتي، لم أكن أفهم المغزى الحقيقي لكل هذا، لكن بعد وفاة خالي قبل ثماني سنوات، تعلمت الكثير".

يُعدّ جدّ جدّها، يوشينوبو، شخصيةً مثيرةً للجدل في التاريخ الياباني؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر، وتحت وطأة التهديدات الغربية، بات المجتمع الإقطاعي الذي يقوده الساموراي بحاجة ماسة للإصلاح. حينها قادت مجموعة من الساموراي المتأثرين بالغرب ثورةً باسم الإمبراطور "ميجي" لاستعادة السلطة الفعلية من الشوغونات في العاصمة (إيدو سابقاً، طوكيو حالياً).

وباستثناء حرب أهلية قصيرة، انتهى عهد الساموراي بهدوء؛ ففي عام 1867، سلم يوشينوبو السلطة للإمبراطور الشاب فيما عُرف بـ "استعادة ميجي". اعتزل يوشينوبو الحياة السياسية، وكوفئ لاحقاً بمنحه لقب "دوق".

ويشير معرض المتحف البريطاني إلى مفارقة في صورة الساموراي كمقاتلين؛ ففي الفترة من 1615 إلى 1868، عاشت اليابان سلاماً تاماً، مما جعل الساموراي محاربين بلا حروب. تقول ياماغيشي: "يقول التاريخ إن يوشينوبو فرّ من القتال وكان جباناً، لكنه في الحقيقة كان يدرك أن الغضب عدو، وأن القتال هو أسوأ خيار ممكن".

أُلغيت طبقة النبلاء رسمياً بعد الحرب العالمية الثانية، لكن لقب يوشينوبو ظل يتوارث معنوياً حتى وصل إلى "يوشيتومو توكوغاوا"، خال ياماغيشي. وبعد طلاقه، انقطعت علاقته بأبنائه، وعندما داهمه السرطان عام 2017، ترك وصية غير متوقعة: توريث منصب "رب الأسرة" وستة آلاف وثيقة وصورة تاريخية إلى ابنة أخته، ميكي ياماغيشي، التي ليس لديها أطفال.

تتحفظ ياماغيشي على تفاصيل الخلافات العائلية، لكن من الواضح وجود صراعات حادة خلف الكواليس لتجاهل ورثة ذكور، بمن فيهم والدها وشقيقها الأكبر. تقول إن شقيقها "استسلم"، وتضيف بأسى: "لكن علاقتنا ليست جيدة".

 

وصل الأمر إلى استبعادها من ناديي "كاسومي كايكان" و"كيكو كاي"، وهما ناديان حصريان للأرستقراطيين السابقين. تعلّق ياماغيشي: "إنهم يعيشون في عالم ذكوري.. أنا معجبة بفترة إيدو، لكنها انتهت". وتعتزم هذا العام نشر كتاب يوثق معاناتها القانونية والعائلية.

انتهت سبع سنوات من النزاعات القضائية في أكتوبر الماضي، لتُعلن ياماغيشي رسمياً رئيسةً لبيت يوشينوبو. ومنذ ذلك الحين، نذرت نفسها لمهمتين: التبرع بالأرشيف التاريخي لمتحف طوكيو الوطني، وتنظيم إغلاق قبور آخر شوغون وخلفائه.

وفي خطوة ترمز لنهاية السلالة، سيتم نقل رفاتهم من معبد "كاني-جي" البوذي إلى "توشوغو"، وهو ضريح الشنتو المخصص لعائلة توكوغاوا. وبوفاة ياماغيشي، سينقطع نسل آخر شوغون تماماً.

تستذكر ميكي الأميرة كيكوكو قائلة: "كانت تشبه الملكة فيكتوريا في هيبتها، كانت لطيفة لكن لها هالة خاصة". وتختتم حديثها بالقول: "لقد قرر خالي إنهاء مسيرة العائلة، فإدارة هذا الإرث تتطلب وقتاً ومالاً هائلين. لا أريد أن يظل تاريخ عائلتي سراً خاصاً، بل الأفضل أن أمنحه للأمة.. إنه فعل يشبه إعادة التاريخ إلى أهله".

 

المصدر: صحیفة تایمز البریطانیة