ئاكرێ (عقرة).. عاصمة نوروز ومدينة النرجس تتلألأ بسحر تراثها في ليالي رمضان
بين جبالها الشاهقة وبيوتها المتدرجة التي تعانق السحاب، تقف مدينة ئاكرێ (عقرة)، بإقليم كوردستان كلوحة فنية تنبض بالحياة والتاريخ. هذه المدينة التي تُعرف بـ "عاصمة نوروز" ومهد زهرة النرجس، تكتسي حُلة استثنائية خلال شهر رمضان المبارك، لتمزج بين الروحانية العميقة، والتراث الأصيل، والكرم الكوردي المعهود.
ليالي رمضان.. دفء اجتماعي ومقاهٍ لا تنام
ما إن يرفع أذان المغرب وتُفطر العوائل، حتى تدب الحياة في أزقة عقرة وأسواقها. وتتميز ليالي رمضان في المدينة بطابع اجتماعي فريد، حيث تعج المقاهي التراثية بالأهالي الذين يتبادلون الأحاديث ويتشاركون الألعاب الشعبية حتى ساعات الفجر الأولى. ويتميز أهالي عقرة بروح مرحة ومفردات محلية خاصة بهم تعكس بساطتهم وعمق روابطهم الاجتماعية.
أزياء تحاكي طبيعة الجبال
للمدينة بصمتها الخاصة حتى في الأزياء التراثية الكوردية. ففي أسواقها العتيقة، يؤكد الخياطون أن الزي الرجالي في عقرة يختلف عن نظيره في المدن الأخرى كالسليمانية أو أربيل، حيث يميل إلى التصميم الأقل اتساعاً والمشدود ليتناسب مع الطبيعة الجبلية القاسية، مع التميز بعقد حزام الوسط (الشوتك). أما الأزياء النسائية، فتتسم بالرقي والبساطة؛ إذ تفضل نساء عقرة الألوان الهادئة والأقمشة الأقل لمعاناً، في انعكاس لذوق رفيع يميل إلى الوقار.
"القلية" ورز عقرة.. أسياد المائدة
لا يمكن زيارة عقرة دون تذوق أطباقها العريقة، وفي مقدمتها طبق "القلية". تُحضر هذه الوجبة بطريقة تقليدية حيث يُطبخ اللحم الطازج بدهنه الطبيعي وعصارته دون قطرة ماء، ليُقدم كتحفة من تحف المطبخ الكوردي إلى جانب "رز عقرة" ذائع الصيت الذي يُعتق لعدة أشهر ليمنح نكهة لا تُضاهى. وفي أوقات السحور، تتصدر الألبان والأجبان المحلية الموائد لكونها خفيفة وصحية. كما تغص أسواق المدينة بالسياح الباحثين عن أجود المنتجات المحلية كالسماق والطحينة.
النرجس.. هدية الجبال وعطرها
تحتضن عقرة أربعة أنواع رئيسية من زهرة النرجس، وتُعد البيئة الجبلية ووفرة المياه فيها موطناً مثالياً لنمو هذه الزهرة الفواحة. في عقرة، النرجس ليس مجرد نبات، بل هو رمز للحب والتقدير، وهدية راقية تُقدم للأحبة وللمرضى تعبيراً عن التمنيات بالشفاء والسلام.
روحانية وتعايش تاريخي
تتجلى نفحات رمضان في مساجد عقرة التاريخية، وتحديداً في مسجدها الجامع الذي يتجاوز عمره الأربعة قرون. وتنشط في هذا الشهر الفضيل حملات التكافل الاجتماعي لمساعدة الفقراء والأيتام. وتفخر المدينة بتاريخها الطويل من التعايش السلمي الخالي من التعصب، حيث احتضنت عبر قرون أدياناً وثقافات متنوعة عاشت جنباً إلى جنب بسلام.
الفلكلور يصدح في الأرجاء
وتكتمل اللوحة العقرية بجلساتها الفلكلورية الليلية، حيث يجتمع الرجال حول الآلات الموسيقية التراثية كـ "الدف" و"الساز"، لتصدح الحناجر بالأغاني والمقامات المحلية. هذه الجلسات، التي تُقام غالباً بالقرب من مبنى "القشلة" العثماني التاريخي، لا تقتصر على الترفيه، بل هي رسالة حية للحفاظ على التراث الكوردي ونقله للأجيال القادمة، واحتضان السياح الوافدين ليعيشوا تجربة متكاملة تجمع بين سحر الطبيعة وعراقة التاريخ.