فيجي.. جرح في قلب المحيط.. صرخة الأطفال بين أنياب الإيدز وكابوس المخدرات

أربيل (كوردستان 24)- تبدو جزر فيجي في مخيلة العالم كجنة استوائية تطفو فوق مياه المحيط الهادئ، حيث الشعاب المرجانية الساحرة والشواطئ البيضاء التي لا تنتهي. لكن خلف هذا الستار الجمالي، يختبئ واقع مظلم ومرير يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي لهذه الدولة الصغيرة. تواجه فيجي اليوم واحدة من أخطر أزمات الصحة العامة في تاريخها المعاصر، حيث تحولت من وجهة سياحية حالمة إلى بؤرة لأسرع وباء لفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) انتشاراً في العالم، في ظل تزايد تعاطي المخدرات وتفشي الوصمة الاجتماعية التي تقتل المرضى قبل أن يفتك بهم الفيروس.

أرقام صادمة وواقع متفجر

لم تعد أزمة فيروس نقص المناعة البشرية مجرد تهديد بعيد، بل أصبحت واقعاً يومياً يطرق أبواب آلاف العائلات. تشير التقارير الإحصائية إلى قفزة مرعبة في عدد الإصابات؛ فقد تضاعفت الحالات الجديدة أكثر من ثلاث مرات بين عامي 2023 و2024. وفي الأشهر الستة الأولى من عام 2025 وحدها، تم تشخيص أكثر من 1200 إصابة جديدة. هذا التسارع المخيف يأتي في وقت تتراجع فيه المساعدات الدولية، مما يترك المنظومة الصحية في فيجي تصارع الوباء بإمكانيات محدودة.

يربط الخبراء في الأمم المتحدة بين هذا الانفجار الوبائي وموقع فيجي الجغرافي الذي حولها إلى مركز حيوي لتهريب المخدرات الدولية. ومع تدفق "الميثامفيتامين" (الكريستال ميث) إلى الأسواق المحلية، انتشرت ممارسات الحقن غير الآمنة ومشاركة الإبر الملوثة، وهي العوامل الرئيسية التي يعتقد أنها وراء نصف الإصابات المسجلة.

براءة مغتصبة: الرضع في عين العاصفة

أكثر الجوانب إيلاماً في هذه الكارثة هو امتداد نيرانها إلى الفئات الأكثر ضعفاً: الأطفال الرضع. كشفت السلطات الصحية عن حقيقة مفجعة؛ حيث يتم تشخيص طفل رضيع واحد على الأقل أسبوعياً بالفيروس نتيجة انتقال العدوى من الأم إلى الجنين. وحدات العناية المركزة في مستشفيات فيجي أصبحت تكتظ بأطفال يعيشون على أجهزة دعم الحياة، في مشهد يصفه الدكتور جيسون ميتشل، رئيس فريق الاستجابة للوباء، بأنه "غير مقبول إنسانياً".

ويؤكد الدكتور ميتشل أن طفلاً دون سن الخامسة يموت شهرياً بسبب مضاعفات الإيدز، مشيراً إلى أن هذه الوفيات كان يمكن الوقاية منها تماماً لو توفر الوعي الكافي والفحص المبكر. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي صرخات لأجيال تولد وهي تحمل "حكماً بالموت" بسبب ذنب لم تقترفه.

جدار الإنكار والوصمة الدينية

في مجتمع تحكمه القيم الدينية التقليدية والمعتقدات المتوارثة، يواجه المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية حرباً ثانية لا تقل ضراوة عن المرض نفسه: وهي "الوصمة الاجتماعية". فيجي، التي يشكل المسيحيون أغلبيتها، ينظر جزء كبير من سكانها إلى الفيروس بوصفه "خطيئة" أو "عقاباً إلهياً".

يقول الناشط كريستوفر لوتوكيفويا، الذي يعيش مع المرض منذ عقد من الزمن، إن المصاب في فيجي يُنظر إليه كـ"آثم" مصيره الجحيم. هذا الفكر المتجذر جعل الكثيرين يفضلون الانتحار أو الموت في عزلة داخل أقبية المنازل بدلاً من الاعتراف بالمرض وطلب العلاج. وتبرز المشكلة بشكل أوضح بين سكان فيجي الأصليين (إيتاوكي)، الذين يشكلون 90% من المصابين، حيث يتداخل الفقر مع نقص الثقافة الصحية والاعتماد على العلاجات الشعبية البديلة، مما يؤدي إلى تفاقم الحالات قبل وصولها إلى المستشفيات.

المخدرات.. الطريق السريع نحو الهاوية

في عاصمة فيجي "سوفا"، لم تعد الشوارع آمنة للأطفال الذين جرفهم تيار المخدرات. أطفال في عمر الزهور يعملون كمروجين أو يلجؤون للسرقة لتأمين جرعتهم التالية من الميثامفيتامين. الغريب والمرعب هو تحول هؤلاء الشباب إلى تعاطي المخدرات عبر الحقن منذ التجربة الأولى لأنها "أرخص وأسرع مفعولاً"، مما يجعل مشاركة الإبر بين المجموعات أمراً شائعاً.

يروي إسحاق (17 عاماً) ونيمايا (15 عاماً) قصصاً تشيب لها الولدان عن حياتهما في الشوارع. كلاهما أصيب بالفيروس نتيجة مشاركة الإبر. إسحاق، الذي كان رياضياً طموحاً، تحول إلى جسد هزيل قبل أن تنقذه مراكز التأهيل. أما نيمايا، فقد ظهر في مقطع فيديو صادم وهو يحقن طفلاً آخر، قبل أن يتم احتواؤه في دار "كواي" لإعادة التأهيل، حيث بدأ رحلة العلاج واستعادة التوازن النفسي.

فخ الصمت وعلاقات القوة

لا تقتصر الأزمة على متعاطي المخدرات؛ بل تمتد لتطال النساء "المستقرات" في بيوتهن. تشير ريناتا رام، مستشارة برنامج الأمم المتحدة المشترك، إلى أن معظم النساء اللاتي يتم تشخيص إصابتهن حالياً هن زوجات وأمهات لا يتعاطين المخدرات. الأزمة تكمن في "ديناميكيات القوة" داخل الأسرة؛ حيث لا تملك المرأة في كثير من الأحيان القدرة على التفاوض بشأن استخدام الواقي الذكري أو سؤال الشريك عن علاقاته أو تعاطيه للمخدرات.

فرانسين، وهي أم في منتصف الثلاثينيات، اكتشفت إصابتها أثناء إرضاع طفلها، والسبب كان شريكاً يتعاطى المخدرات بالحقن. تقول بمرارة: "حتى لو كنتِ متعلمة، في مجتمعنا لا يمكنكِ دائماً حماية نفسكِ". ومن هنا، تسعى المنظمات الدولية الآن لتوفير خيارات حماية سرية للنساء، مثل "الحلقة المهبلية" أو "العلاجات الوقائية (Prep)"، لتجاوز هذه العقبات الثقافية والاجتماعية.

بصيص أمل وسط الظلام

رغم قتامة المشهد، تظهر مبادرات إنسانية تحاول كبح جماح الوباء. "دار داولوماني الآمنة"، التي أسستها إدوينا بياو، تُعد ملاذاً للمنبوذين من المجتمع، بما في ذلك النساء المتحولات جنسياً والعاملات في مجال الجنس والأطفال الناجين من العنف والمخدرات. تقدم الدار رسالة بسيطة لكنها قوية: "الإصابة بالفيروس ليست نهاية العالم، بل هي بداية فصل جديد من الحياة بشرط الالتزام بالعلاج".

كما بدأت المنظمات الصحية، مثل عيادة الخدمات الطبية للمحيط الهادئ، بإرسال عيادات متنقلة إلى القرى النائية وشوارع العاصمة لإجراء فحوصات مبكرة. واليوم، هناك قصص نجاح تبعث على التفاؤل، مثل قصة الطفلة "آندي" التي قضت سبعة أشهر على أجهزة الإنعاش وهي رضيعة، لكنها الآن طفلة سعيدة في الثانية من عمرها بفضل الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية.

نداء لإنقاذ جيل

إن ما يحدث في فيجي هو جرس إنذار للعالم أجمع. إن الجمع بين انتشار المخدرات، وضعف الوعي الصحي، وسطوة الوصمة الاجتماعية، خلق "عاصفة كاملة" تهدد بإبادة جيل بأكمله. كما قالت روسياتي توغوتوغوروا، مديرة إحدى المدارس في القرى: "الفيروس لا يقتل فرداً واحداً، إنه يقتل مستقبلاً كاملاً".

تحتاج فيجي اليوم إلى ما هو أكثر من المعونات المالية؛ إنها بحاجة إلى ثورة ثقافية تكسر حاجز الصمت، وتستبدل لغة "الخطيئة" بلغة "الرعاية"، ولغة "الإنكار" بلغة "المواجهة". فبدون تعاون الكنيسة، والزعماء المحليين، والحكومة لتوفير بيئة آمنة للمرضى بعيداً عن التشهير والوصم، سيبقى هذا الجرح في قلب المحيط الهادئ ينزف، وسيبقى الأطفال هم الثمن الأغلى الذي تدفعه البلاد في مواجهة هذا الكابوس.

المصدر: صحیفـة غاردیان البریطانیة