طويلة.. رحلة في قلب التراث الكوردي ونكهة (قهره خهرمان) الأصيلة
أربيل (كوردستان24)- من صخب مدينة السليمانية إلى هدوء جبال "هورامان" الشاهقة، انطلقت مقدمة البرامج "ديرين سردار" في رحلة استكشافية نحو ناحية "طويلة" الحدودية التابعة لمحافظة حلبجة في اقليم كوردستان العراق، ليس فقط للاستمتاع بجمال الطبيعة، بل للبحث عن أسرار واحدة من أقدم الأكلات التراثية في المنطقة وهي (قهره خهرمان) والتي تتكون من حبوب القمح أو الحنطة الخضراء (القمح الأخضر) قبل جفافها تحصد سنابلها وهي خضراء وتعرض للحرارة عن طرق حرقها، ثم تجرش لتكون مثل البرغل، وتطبخ كما يطبخ البرغل على ماء اللحم وتوضع فوقها قطع اللحم. وتؤكل عادة مع اللبن.
بدأت الرحلة باتصال هاتفي استشاري؛ فديرين التي قررت خوض تجربة الطهي، لم تكن تتقن مقادير هذه الطبخة. "نحتاج إلى القمح الأخضر (قهره خهرمان) واللحم، والبصل، والطماطم"، هكذا جاءت الوصفة من إحدى ربات البيوت الخبيرات. وبعد جولة في أسواق السليمانية لاقتناء أجود المكونات، شقت السيارة طريقها عبر المنعطفات الجبلية وصولاً إلى "طويلة".
تتميز "طويلة" ببيوتها الحجرية المتراصة فوق بعضها البعض كلوحة فنية. هناك، استُقبلت ديرين بحفاوة كوردية معهودة في منزل محلي. بدأ العمل فوراً؛ غسل القمح الأخضر، وتحضير اللحم.
توضح ربة المنزل أثناء التحضير: "سر الطبخة يكمن في طبخ القمح بمرق اللحم نفسه ليتشرب النكهة تماماً". ولم تقتصر الدردشة على الطعام، بل امتدت لتشمل تقاليد رمضان في المنطقة، حيث تنهمك النساء في صناعة الخبز المحلي (الرقاق) وتوزيعه على الأسواق، في حركة اقتصادية واجتماعية لا تهدأ.
بينما كانت (قهره خهرمان) تنضج على نار هادئة، جالت ديرين في أزقة البلدة. التقت بكبار السن الذين يجلسون في الميادين يتجاذبون أطراف الحديث. هناك، يبرز "جوز هورامان" كعلامة مسجلة للمنطقة؛ حيث يشرح أحد السكان المحليين كيفية تمييزه: "الجوز الأصيل هو الذي يترك أثراً زيتياً على يدك بمجرد لمسه، وقشرته رقيقة، وطعمه لا يضاهى".
وفي زاوية أخرى، التقت بـ "مام فاروق"، الرجل الذي يجسد روح الجماعة في القرية، فهو يعمل كسائق وموظف بلدية، ويقضي يومه في خدمة الأهالي ومساعدتهم في شؤونهم اليومية، مؤكداً أن الحياة في الجبل تعتمد على التعاون المطلق.
مع غروب الشمس، وصدور صوت الأذان من مآذن البلدة التي تعانق الضباب، اجتمعت العائلة حول مائدة "الإفطار" التقليدية المفروشة على الأرض. تصدرت (قهره خهرمان) المائدة إلى جانب الأرز والشوربة والتمور والعصائر الطبيعية.
ولم تكتمل الجلسة إلا بصوت "مام نجم الدين"، الذي صدح بـ "لاوك" (أغنية تراثية كوردية) دينية ووجدانية، أضفت على الأجواء سحراً خاصاً، وذكرت الجميع بأن "طويلة" ليست مجرد مكان، بل هي مستودع للحكايات والأصالة.
تختم ديرين سردار جولتها بكلمات مؤثرة، معبرة عن امتنانها لهذه التجربة التي جمعت بين لذة المذاق ودفء القلوب، تاركة "طويلة" وهي تحمل في ذاكرتها رائحة القمح الأخضر وأصداء الأغاني الجبلية.
تقرير: ديرين سردار- كوردستان 24 - السليمانية