مسيرة القائد والأب الروحي.. محطات خُطّت بالنضال في حياة الملا مصطفى بارزاني
اربيل (كوردستان24) - في صفحات التاريخ الكوردي الحديث، تبرز أسماء حفرت مسيرتها بالدم والتضحيات، وعلى رأس هذه الأسماء يقف الملا مصطفى بارزاني، القائد والأب الروحي للحركة التحررية الكوردية. مسيرة امتدت لعقود، لم تكن مجرد حياة قائد سياسي وعسكري، بل كانت تجسيداً حياً لمعاناة وطموحات شعب بأكمله، سعى للحرية والانعتاق في ظل تعقيدات جيوسياسية بالغة الصعوبة.
النشأة.. طفولة في زنازين الاعتقال
أبصر الملا مصطفى بارزاني النور في 14 آذار/مارس عام 1903 في قرية بارزان، ليكون هذا التاريخ إيذاناً بولادة رمز سيحمل على عاتقه قضية شعبه. لم تكن طفولته اعتيادية؛ ففي عام 1906، وهو لم يتجاوز الثالثة من عمره، زُج به وبوالدته في السجن، ليتذوق مرارة الظلم في وقت مبكر من حياته.
ومع بلوغه سن الشباب، بدأ وعيه القومي والسياسي يتبلور، ففي عام 1919 شارك في ثورة الشيخ محمود الحفيد ضد القوات البريطانية. ولم تقتصر جهوده على النضال الكوردي فحسب، بل امتدت لتشمل مواقف إنسانية بارزة، حيث ساهم بين عامي 1920 و1921 في حماية ومساعدة العائلات الأرمنية الفارة من المذابح لتصل إلى بر الأمان في سوريا.
سنوات التمرد ومواجهة الجيوش
شهدت الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي فصولاً قاسية من المواجهات العسكرية. ففي عام 1930 دعم ثورة جبل آرارات، وفي أواخر عام 1931 ومطلع 1932، قاد انتفاضة بارزان الأولى حيث خاضت قواته معارك ضارية ضد الجيش العراقي أسفرت عن خسائر فادحة في صفوف الخصم.
ورغم تعرضه للنفي والإبعاد إلى مدن جنوب ووسط العراق (مثل الحلة وبغداد والسليمانية) في أواخر الثلاثينيات، تمكن بارزاني في عام 1943 من كسر قيد النفي والعودة إلى مسقط رأسه ليقود ثورة جديدة هزت أركان الحكومة آنذاك.
جمهورية مهاباد والمسيرة الأسطورية
يُعد عام 1946 منعطفاً تاريخياً في حياة بارزاني، حيث أسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في 16 آب/أغسطس. وفي نفس الحقبة، انتقل مع مقاتليه (البيشمركة) لدعم جمهورية كوردستان في مهاباد (إيران)، حيث مُنح رتبة "جنرال" وقاد جيش الجمهورية.
وبعد انهيار الجمهورية، سطر بارزاني واحدة من أروع الملاحم العسكرية في عام 1947، حين قاد أكثر من 500 من مقاتليه البيشمركة في "مسيرة تاريخية" شاقة استمرت لأسابيع، متجاوزين جيوشاً ومرتفعات وعرة، حتى عبروا نهر "آراس" ليلجأوا إلى الاتحاد السوفيتي، حيث مكثوا هناك كلاجئين لنحو 12 عاماً.
ثورة أيلول العظمى واتفاقية الحكم الذاتي
مع قيام ثورة 14 تموز 1958 في العراق، عاد بارزاني إلى وطنه وسط استقبال شعبي ورسمي حافل. لكن سرعان ما تنكرت الحكومات المتعاقبة لحقوق الكورد، مما دفعه لإعلان "ثورة أيلول" المجيدة في 11 أيلول/سبتمبر 1961.
أجبرت صمود هذه الثورة، الحكومة العراقية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ليتوج النضال بتوقيع "اتفاقية 11 آذار 1970"، والتي أقرت لأول مرة بالحقوق القومية والحكم الذاتي للشعب الكوردي.
مؤامرة الجزائر والرحيل
لم يدم السلام طويلاً، حيث تراجعت بغداد عن وعودها واندلعت الحرب مجدداً عام 1974. وفي عام 1975، تعرضت الحركة الكوردية لضربة قاسية إثر توقيع "اتفاقية الجزائر" بين العراق وإيران، مما أدى إلى نكسة مؤلمة، لكنها لم تطفئ شعلة النضال (ثورة كولان).
في الأول من آذار/مارس عام 1979، وعن عمر ناهز 76 عاماً، رحل الملا مصطفى بارزاني في إحدى مستشفيات الولايات المتحدة الأمريكية بعد صراع مع المرض، ليترك خلفه إرثاً نضالياً لا يُنسى.
عودة الجسد إلى حضن الوطن
وُري جثمانه الثرى مؤقتاً في مدينة شنو (أشنوية) في كوردستان الشرقية (إيران) عام 1979. وبعد سنوات طويلة من الانتظار، وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر 1993، ووسط استقبال جماهيري مهيب شارك فيه مئات الآلاف، أُعيد جثمانه الطاهر برفقة جثمان نجله إدريس بارزاني إلى مسقط رأسه في "بارزان" ليرقد بسلام في أرض كوردستان المحررة.
سيبقى الملا مصطفى بارزاني الخالد، حياً في وجدان شعبه، كرمز للصمود، وقائد لم ولن يموت أثره في صفحات التاريخ.