جزيرة "خَرْج" الشريان النفطي الايراني الذي قد يحسم حرب الشرق الأوسط
اربيل (كوردستان24) - في تصعيد لافت يعيد رسم ملامح الصراع في الشرق الأوسط، عادت جزيرة "خَرْج" الإيرانية إلى صدارة المشهد العالمي، ليس بوصفها قطعة أرض صغيرة معزولة في مياه الخليج، بل باعتبارها "درة التاج" وشريان الحياة للاقتصاد الإيراني.
وعقب سلسلة من الغارات الجوية الأمريكية التي استهدفت مواقع عسكرية في الجزيرة، تتجه أنظار العالم نحو هذه البقعة الجغرافية التي تمتلك القدرة على إشعال أزمة طاقة عالمية أو شل قدرات طهران المالية بضربة واحدة.
فجر السبت، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصته "تروث سوشيال" أن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) نفذت "واحدة من أقوى الغارات الجوية في تاريخ الشرق الأوسط"، مستهدفة جزيرة خرج التي وصفها بـ "درة التاج الإيراني". وأكد ترمب تدمير كافة الأهداف العسكرية في الجزيرة تدميراً شاملاً.
ورغم قسوة الضربة، أوضح مسؤولون أمريكيون أن الهجوم تجنب عمداً استهداف البنية التحتية النفطية. ووجه ترمب تحذيراً صريحاً لطهران بأن خيار ضرب المنشآت النفطية سيبقى مطروحاً "في المرة القادمة" إذا حاولت إيران التدخل في حركة الملاحة في مضيق هرمز أو عرقلة عبور السفن.
في المقابل، سارعت طهران للتقليل من التداعيات الاقتصادية للضربة. وأكدت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية، نقلاً عن مصادر ميدانية، سماع دوي 15 انفجاراً استهدفت الدفاعات العسكرية، وقاعدة "جوشان" البحرية، وبرج المطار، وحظيرة للطائرات المروحية، لكنها شددت على أن "المنشآت النفطية لم تتعرض لأي أذى".
لماذا جزيرة "خَرْج"؟.. قلب إيران النابض
لفهم حجم التهديد المحدق، يجب النظر إلى الجغرافيا والاقتصاد. تقع جزيرة خرج (Kharg Island) في شمال الخليج، على بُعد يتراوح بين 25 إلى 55 كيلومتراً من الساحل الإيراني قرب ميناء بوشهر. ورغم مساحتها الضئيلة التي لا تتجاوز 22 كيلومتراً مربعاً (بطول 8 كم وعرض 5 كم)، إلا أنها تُعد أكبر محطة تصدير نفط بحرية في العالم.
ووفقاً لتقرير حديث صادر عن بنك "جي بي مورغان" الأمريكي، يمر عبر هذه الجزيرة ما بين 90% إلى 95% من صادرات النفط الخام الإيراني. ويعود سر اختيارها إلى عمق مياهها الذي يسمح برسو ناقلات النفط العملاقة، وهو ما تفتقر إليه معظم السواحل الإيرانية الضحلة.
تُغذي الجزيرة شبكة معقدة من خطوط الأنابيب القادمة من حقول نفطية ضخمة مثل "أبوذر"، "فروزان"، و"دورود". وتحتوي على عشرات الخزانات العملاقة، ومنشآت معالجة، وأرصفة تحميل تمنحها قدرة هائلة على تصدير ما يصل إلى 7 ملايين برميل يومياً.
الصحافة الغربية: احتلال أم تدمير؟
استقطبت الجزيرة اهتماماً واسعاً في الصحافة الغربية التي اعتبرتها النقطة الحاسمة في الصراع الدائر. وتساءلت صحيفة "أستراليان فايننشال ريفيو": "لماذا تُرِكت جزيرة النفط الإيرانية دون استهداف حتى الآن؟"، مجيبة بأن واشنطن وإسرائيل تتجنبان إحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية، حيث يُقدر الخبراء أن تعطيل الجزيرة قد يرفع أسعار النفط العالمية بما لا يقل عن 10 إلى 12 دولاراً للبرميل.
من جهتها، ذهبت صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية إلى سيناريو أبعد، متحدثة عن "الجزيرة الصغيرة التي قد تُمكّن ترمب من هزيمة إيران من دون إرسال جندي واحد". واستحضرت الصحيفة تصريحاً قديماً لترمب عام 1988 قال فيه: "إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم إيراني، فسأذهب إلى جزيرة خرج وأستولي عليها". هذا الخيار، وفقاً لخبراء، سيمنح واشنطن سيطرة مباشرة على الاقتصاد الإيراني ويقطع تمويل شبكات المليشيات الإقليمية.
أما صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، فنقلت عن مايكل روبين، الباحث في معهد "أمريكان إنتربرايز"، أن الاستيلاء على الجزيرة "أمر بديهي من الناحية الإستراتيجية" لشل قدرات طهران، بينما حذر ريتشارد نيفيو، المسؤول الأمريكي السابق، من أن استهداف الجزيرة قد يدفع إيران لرد انتقامي مدمر ضد البنية التحتية النفطية لدول الخليج المجاورة.
"كعب أخيل" الإيراني.. قلعة محصنة وتاريخ من الاستهداف
تدرك القيادة الإيرانية تماماً أن الجزيرة هي "نقطة الاختناق النفطية" للبلاد، ولذلك حولتها إلى ثكنة عسكرية محصنة بمنظومات دفاع جوي، وصواريخ ساحلية مضادة للسفن، وقواعد للحرس الثوري، فضلاً عن دوريات بحرية مكثفة.
الجزيرة التي تحمل في جوفها آثاراً تعود للعهد الأخميني ومقابر صخرية قديمة، لطالما كانت محط أطماع، بدءاً من شركة الهند الشرقية الهولندية في القرن الثامن عشر، وصولاً إلى تعرضها لقصف عراقي مكثف إبان حرب الثمانينيات في محاولة لوقف تصدير النفط الإيراني.
لا تمثل جزيرة "خرج" مجرد شريط يابسة في مياه الخليج؛ بل هي المعادلة الأصعب في أي مواجهة شاملة مع طهران. استهدافها يعني توجيه ضربة قاضية للنظام المالي الإيراني، لكنه في الوقت ذاته بمثابة لعب بالنار قد يحرق أسواق الطاقة العالمية ويدخل المنطقة في فوضى اقتصادية لا تُحمد عقباها، وهو اللغز الإستراتيجي الذي يقف العالم اليوم مترقباً لكيفية حله.