"سفرة البركة" في معبد لالش.. الإيزيديون يحيون تقليد "الخبر واللبن" السنوي
أربيل (كوردستان24)- مع إطلالة كل ربيع، يرتدي معبد لالش المقدس حلة من التآخي والقدسية، حيث انطلقت مراسم (سفرة الخبز واللبن)، وهو تقليد عريق يضرب بجذوره في عمق التاريخ الإيزيدي، مجسداً أسمى معاني الوفاء والارتباط بالأرض والمقدسات.
قرابين من خيرات الأرض
في مشهد يملؤه الخشوع، توافدت حشود من أهالي قريتي "خوشابا" و"نفیریه" صوب المعبد، محملين بخيرات إنتاجهم المحلي من الخبز واللبن والسمسم. هذه العطايا ليست مجرد طعام، بل هي "قرابين محبة" يقدمها الإيزيديون تعبيراً عن شكرهم وتقديرهم لهذا المكان المبارك.
طقوس النبع الأبيض: غسل الخبز لبركة البيت
لا تكتمل المراسم دون المرور بنبع "كاني سپي" (النبع الأبيض) المقدس؛ حيث يقوم الزوار بغسل أرغفة الخبز بمياهه المباركة، ليحملوا بعدها جزءاً من هذا الخبز واللبن إلى منازلهم. ويؤمن المشاركون أن هذه "البركة" ستحل في بيوتهم وترافق أرزاقهم وعائلاتهم طوال العام.
أصوات من قلب لالش
يقول المواطن ندوعیدۆ: "لقد انتظرنا هذا اليوم بشوق، فقبل أيام تم تحديد موعد قريتنا لنيأتي إلى لالش ونقدم ما تجود به أيدينا، طالبين الخير والبركة لأهلنا وقرانا".
ومن جانبه، يعبر التدريسي عیدۆ سیدۆ عن سعادته قائلة: "جئنا باللبن والخبز والسمسم كخیرات مهداة للمعبد، ودعواتنا اليوم أن يتقبل الله منا، وأن يكون هذا العام عام أمن وسلام يغمر البشرية جمعاء".
تكافل اجتماعي يضيء قناديل المعبد
هذا التقليد ليس عابراً، بل هو نظام اجتماعي وديني متكامل يشارك فيه سنوياً نحو 57 قرية إيزيدية، حيث تُخصص هذه الخيرات لإطعام الفقراء، وخدم المعبد، والضيوف القادمين من كل حدب وصوب. كما يساهم الأهالي بإحضار زيت الزيتون الخاص لإيقاد قناديل المعبد، في صورة حية لروح التكافل المتوارثة.
إشارة البدء: "التربة المقدسة"
تبدأ هذه السلسلة من الطقوس الربيعية بإشارة دينية من "بابا شيخ"، الذي يرسل (التربة المقدسة) إلى القرى، لتنطلق بعدها الوفود تباعاً نحو لالش، في مشهد يمزج بين الإيمان العميق والتمسك بالتقاليد الأصيلة.
تظل "سفرة الخبر واللبن" أكثر من مجرد مراسم؛ إنها رسالة سلام وتجديد للعهد بين الإنسان الإيزيدي وخالقه وأرضه، في رحاب معبد لالش الذي يجمع القلوب على مائدة الخير والبركة.
تقرير: ماهر شنگالي – كوردستان24 - معبد لالش