من الرازي إلى "الأنف الإلكتروني".. الزفير يتحول إلى أداة تشخيصية خارقة
أربيل (كوردستان24)- في سبق علمي يشهده قطاع الطب الرقمي، نشر فريق بحثي دولي في شهر مارس (آذار) 2026 دراسة حديثة في مجلة «Drug Discovery Today»، سلطت الضوء على مجال علمي ناشئ يُعرف بـ "علم تحليل أنفاس الإنسان" (Breathomics). ويعتمد هذا العلم على تحليل المركبات الكيميائية الدقيقة في هواء الزفير ليكون بمثابة أداة تشخيصية غير جراحية قادرة على رصد الأمراض في مراحلها الأولية.
بصمة كيميائية في كل شهيق وزفير
أوضح الباحث ميتالي ساهو، من المعهد الهندي للتكنولوجيا في خراجبور (IIT Kharagpur)، أن هواء الزفير ليس مجرد غازات عابرة، بل هو حامل لمئات "المركبات العضوية المتطايرة" (VOCs) التي تعكس بدقة العمليات البيولوجية والتمثيل الغذائي داخل خلايا الجسم. وأشارت الدراسة إلى أن دمج هذه البيانات مع تقنيات الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً غير مسبوقة للتعرف على "الأنماط الجزيئية" المرتبطة بالأمراض قبل ظهور أي أعراض سريرية واضحة على المريض.
من "حاوي" الرازي إلى "الطب الرقمي"
يربط العلم الحديث اليوم بين التقنية الفائقة والجذور التاريخية العريقة؛ فقبل أكثر من ألف عام، وثّق الطبيب العربي أبو بكر الرازي في كتابه «الحاوي في الطب» أهمية رائحة نفس المريض كدليل لتشخيص الداء. هذا المفهوم وجد صدىً أيضاً في الفلسفة الصينية القديمة ونهج كونفوشيوس الذي اعتبر إشارات الجسد، ومنها التنفس، نافذة لفهم التوازن الداخلي. اليوم، يتحول هذا "الحدس الطبي" القديم إلى علم رقمي دقيق بفضل قدرة الخوارزميات على تحليل أكثر من 300 مركب كيميائي يخرج مع كل نَفَس بَشري.
"الأنف الإلكتروني".. حاسة شم اصطناعية
لتطبيق هذه الرؤية، طوّر العلماء أجهزة متقدمة تُسمى "الأنف الإلكتروني" (Electronic Nose). وهي أنظمة استشعار كيميائية تلتقط الجزيئات المتطايرة وتحولها إلى بيانات رقمية معقدة. وفي هذا السياق، كشف الباحث ديباك أيير من معهد (IIT Bombay) في دراسة نشرتها مجلة «Scientific Reports»، عن نجاح نظام يعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية في التمييز بدقة عالية بين الأنماط الكيميائية لحالات مرضية مختلفة.
استباق الأعراض: تشخيص السرطان والسكري والانسداد الرئوي
تكمن القوة الحقيقية لـ "علم تحليل الأنفاس" في قدرته الاستشرافية؛ حيث أظهرت الأبحاث أن التغيرات البيوكيميائية المصاحبة لأمراض مثل سرطان الرئة، والسكري، وأمراض الكبد، والالتهابات الرئوية، تترك بصمة كيميائية فريدة في الزفير.
وفي تقدم ملموس، نجح باحثون من جامعة ليستر البريطانية، بالتعاون مع المعهد الوطني للبحوث الصحية، في استخدام "التعلم العميق" لتشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD) بدقة واعدة، مما يعزز الآمال في تحويل النَفَس إلى أداة فحص روتينية تكشف المرض في مهده.
نافذة شاملة على صحة الجسد
لا تتوقف طموحات العلماء عند أمراض الرئة فحسب، بل تمتد لتشمل الحالة الصحية العامة. ويشير باحثون من المعهد التقني الفيدرالي في زيوريخ (ETH Zurich) إلى أن المركبات الناتجة عن ميكروبات الفم والجهاز الهضمي تنتقل إلى الزفير، مما يجعل رائحة الفم مؤشراً بيولوجياً شاملاً لنشاط الجهاز المناعي وعمليات الأيض.
رؤية مستقبلية: العيادة الذكية
يتوقع الخبراء مستقبلاً يقدم فيه المريض "زفيراً" لثوانٍ معدودة في جهاز صغير داخل العيادة، لتقوم الخوارزميات فوراً بتقديم تقرير صحي شامل. هذا التحول لا يمثل تطوراً تقنياً فحسب، بل هو "تحول فلسفي" في الطب؛ فبعد قرون من الاعتماد على الفحص الظاهري، بات العلم قادراً على قراءة اللغة الكيميائية الخفية التي يكتبها الجسم في كل نَفَس، ليصبح "نَفَس الإنسان" أداة تشخيصية لا تقل أهمية عن التحاليل المخبرية والأشعة.