هل يغير الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا؟ دراسة حديثة تكشف التأثير السري لـ"السرديات"
أربيل (كوردستان24)- كشفت دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في دورية «PNAS Nexus» عن بُعدٍ جديد في تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن هذه الأنظمة لا تكتفي بتزويد المستخدمين بالحقائق، بل تمتلك القدرة على التأثير في طريقة تفكيرهم وتشكيل آرائهم تجاه القضايا المختلفة، وذلك عبر أسلوب السرد لا عبر تزييف الوقائع.
استندت الدراسة إلى تجربة واسعة النطاق شملت 1912 مشاركاً، ركزت على تحليل كيفية استجابة الأفراد لملخصات أحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وأظهرت النتائج أن تغيير أسلوب عرض النص -مع الحفاظ على دقة المعلومات التاريخية- أدى إلى تحول ملحوظ في مواقف المشاركين وتقييمهم للأحداث. وخلص الباحثون إلى أن التأثير في الحكم لا يتطلب بالضرورة معلومات مضللة، بل يمكن أن ينبع من "طريقة العرض" ذاتها.
وسلط البحث الضوء على ظاهرة "التحيز الكامن"، وهو نوع من الانحياز غير المرئي الذي يتسلل إلى النصوص نتيجة البيانات الضخمة التي تدربت عليها الأنظمة. وأوضحت الدراسة أن هذا التحيز لا يظهر كأخطاء صريحة، بل يبرز من خلال اختيار تفاصيل معينة، وترتيبها، واستخدام لغة تبرز جوانب على حساب أخرى، مما يعكس الأنماط البشرية الموجودة مسبقاً في بيانات التدريب.
وأشارت الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل كمحرك استرجاع تقليدي، بل يعيد بناء المعرفة بناءً على طريقة صياغة المستخدم لسؤاله. فالتغييرات الطفيفة في الطلب (Prompt) تؤدي إلى اختلاف في سرد الحدث نفسه، ما يجعل العلاقة بين الإنسان والنظام عملية "إنتاج معرفة" مشتركة، وليست مجرد عملية بحث.
وفي مقارنة مع الوسائل التقليدية، أوضح الباحثون أن محركات البحث توفر روابط متعددة تتيح للمستخدم المقارنة، بينما يقدم الذكاء الاصطناعي نصاً سردياً متماسكاً وجاهزاً. هذا القالب السردي يدفع المستخدمين إلى تقبل المحتوى كتصور متكامل وحقيقة ناجزة، بدلاً من كونه وجهة نظر واحدة ضمن آراء متعددة، مما يعزز من قوة التأثير غير الظاهر للنص.
ومن أبرز الخلاصات التي قدمتها الدراسة هي أن "صحة المعلومات لا تعني موضوعيتها". فالتركيز على عناصر محددة وتقديم سياق معين قد يوجه فهم المستخدم بطريقة غير مباشرة، حتى لو كانت كل واقعة في النص صحيحة تماماً. وهذا يضع حداً للفكرة السائدة بأن محاربة المعلومات المضللة كافية لضمان حياد الأنظمة الذكية.
ومع اتساع رقعة الاعتماد على هذه الأدوات في تلخيص القضايا المعقدة، تفتح الدراسة باباً للنقاش حول مسؤولية المطورين في فهم كيفية تقديم المعلومات، وليس فقط دقتها. كما دعت الدراسة إلى ضرورة تعزيز "الوعي النقدي" لدى المستخدمين، مؤكدة أن الثقة في الذكاء الاصطناعي يجب أن تقوم على فهم كيفية صياغة السرد، لأن هذه الأنظمة باتت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في الإدراك العام، وليست مجرد ناقل صامت للمعلومات.