عالمة أعصاب: تربية أطفال ناجحين يتطلب تحصينهم ضد التكنولوجيا

أربيل (كوردستان 24)- يتحدث الكثيرون عن الذكاء الاصطناعي والمهارات الشخصية، ومع ذلك لا تزال الشركات توظف بناءً على شهادات عليا، ولا تزال المدارس تركز على الامتحانات. لكن تربية الأطفال على اتباع القواعد وحفظ الإجابات تُهيئهم لوظائف ربما لن تكون موجودة مستقبلاً، مما يجعلهم غير مستعدين لعالم يُكافئ الإبداع والفضول وحل المشكلات.

بحسب ما نشره موقع شبكة CNBC الأميركية، قالت فيفيان مينغ، عالمة أعصاب ورائدة أعمال، إنها كرست مسيرتها المهنية لطرح سؤال بسيط هو: ما هي المهارات التي ستكون مهمة عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد الإجابات وأتمتة الكثير من العمليات المعرفية؟

يتضمن هذا تحولات جذرية في طريقة التفكير في التنمية، من نقل المعرفة إلى بناء القدرات. إذا كان هناك رغبة في أن يتمتع الأطفال بميزة في المستقبل، فيجب أن تتوخى أساليب التربية تحصينهم ضد التكنولوجيا، كما يلي:

1. تطبيق "سيرة الفشل"

يظهر في أبحاث دكتورة مينغ نمط ثابت هو الطلاب المتفوقين والذين يكونون غالباً الأكثر استعداداً للاعتراف بالخطأ. تُظهر النماذج أن الاستكشاف، وحتى الفشل، يُنبئ بالتعلم العميق بشكل أفضل من تكرار الإجابات الصحيحة.

لكن يغلب على النظم التعليمية السائدة هوس بالصواب الذي يُفقد الأطفال هذه الغريزة. تُعلِّمهم تلك النظم أن الفشل يقيس قيمتهم، بدلاً من أن يُحفِّز نموهم.

أما "سيرة الفشل" فهي وثيقة حية، طقس عائلي يُسجل الفشل ويحتفي به. إنها دليل واضح على كل مرة أثمر فيها الجهد المبذول في الاعتراف بالخطأ، مُعزّزاً بذلك مرونة المتعلم وفضوله وقدرته على حل المشكلات المفتوحة.

الطريقة: يمكن القيام بواقع مرة في الشهر، خلال تجمع العائلة، إن يطلب الوالدان من الجميع إضافة فشل واحد إلى سيرتهم، سواء كان هدف ضائع في كرة القدم أو رسوب في اختبار أو مشروع عمل لم يُكتب له النجاح.

الهدف: تساعد تلك الطريقة على إعادة صياغة الأمر. لا ينبغي السؤال عن: "في ماذا فشلت؟" بل يكون الطرح كالتالي: "ما الذي جربته وكان صعباً؟ وماذا تعلمت منه؟" بحيث يصبح تجاوز حدود القدرات أمراً طبيعياً، بل يمكن الاحتفاء به، ثم يتم ربط هذا الجهد بمكافآت النمو.

2. استغلال الصدفة بشكل مدروس

يشير الاقتصاديون إلى ما يُعرف ب"تأثير هارفارد"، أي الميزة الكبيرة في نتائج الحياة المرتبطة بالجامعات المرموقة. لكن الأمر ليس سحراً، ولا يقتصر على المقررات الدراسية فقط.

إن الجامعة المرموقة، في جوهرها، بيئة شديدة التركيز للصدفة المدروسة. تكمن القيمة الحقيقية في المناهج الدراسية الرسمية بالإضافة إلى المحادثات العفوية في قاعة الطعام، والنوادي المتنوعة، والتعرض المستمر لآلاف المشكلات المعقدة التي لا يوجد لها حلولاً في الكتب.

يمكن استلهام المبادئ الأساسية لهذا المفهوم خاصة إذا كان غير متاح للبعض إلحاق أبنائهم بجامعات مرموقة. يتلخص الأمر في هندسة الصدفة بما يعني خلق بيئة تشجع على التواصل والاكتشافات غير المتوقعة. إن أي منزل أو فصل دراسي مبني على إدارة عدم اليقين، يكون آمناً، لكن ليس معقماً؛ ومنظماً، لكن ليس جامداً - حيث يمكن للفضول أن ينمو.

الطريقة: يمكن تحويل المنازل إلى فضاء مليء بالمشاكل الشيقة. فعلى سبيل المثال، يمكن ترك محمصة خبز معطلة على طاولة المطبخ مع مفك براغي بجانبها، أو الاشتراك في مجلات من مجالات شديدة التباين لإثراء عالمهم بمعلومات متنوعة.

إنها فوضى، لكنها فوضى مليئة بدعوات الاستكشاف.

3. الطفل ك"ناقد رئيسي للذكاء الاصطناعي"

بالنسبة لجيلٍ يدخل عالماً تُعدّ فيه نماذج التعلّم الضخمة رفيقاً دائماً، سيكون الإغراء بتركها عملاً شاقاً بشكل هائل. يواجه الآباء سؤال شائع بين الأطفال وهو: "لماذا نُجهد أنفسنا في كتابة مقال، أو حلّ مسألة رياضية، أو تعلّم مفهوم جديد، بينما يُمكن للآلة أن تُقدّم إجابةً مثالية في ثواني؟". ويجب أن تشمل الإجابة أن الذكاء الاصطناعي وأدواته هي مجرد أداة تُحسّن الأداء مؤقتاً، لكنها تُضعف المستخدم عند إيقافها. لذا، يجب تعليم الأطفال التفاعل مع الذكاء الاصطناعي بطريقة تُنمّي لديهم التفكير النقدي والإبداع.

الهدف: إعادة صياغة دور الطفل من مُستهلك سلبي إلى ناقد فعّال لمخرجات الذكاء الاصطناعي. يُصبح الذكاء الاصطناعي مُتعاوناً "ذكياً ولكنه ساذج"، والطفل هو من يستجوبه ويُوجّهه ويُقيّمه. يُمكن للأطفال استخدام الذكاء الاصطناعي للعصف الذهني أو الاستكشاف، ولكن يجب عليهم إعداد مسودتهم الأولى أو حلّهم الخاص.

ينبغي أن يتعلم الطفل استخدام المعرفة الواسعة للذكاء الاصطناعي ليس كمصدر للحقيقة المطلقة، بل كشريكٍ يُساعده على صقل رؤيته الفريدة.

يمتلك العالم بالفعل الإجابة "الصحيحة" جاهزة، شبه مجانية. تكمن القيمة الحقيقية التي يُضيفها الطفل في الإجابة التي لا يُمكن لأحد سواه تقديمها. بصفته الناقد الرئيسي للذكاء الاصطناعي، يستكشف الطفل ويُنشئ معناه الخاص انطلاقاً مما يعرفه الذكاء الاصطناعي. إن هذا هو جوهر العمل الإبداعي، وهو ما يحتاجه العالم بشدة.

المصدر: العربية نت