من شارع "الكفاح" إلى مقابر الأنفال.. قرن من معاناة الكورد الفيليين في بغداد ومطالب مستمرة بإنصافهم
أربيل (كوردستان 24)- شارع "الكفاح" في قلب العاصمة العراقية بغداد؛ شارعٌ محروم من أبسط الخدمات ويفتقر إلى الرعاية، لكنه في الوقت ذاته يضج بالحياة ومزدحم بالحركة التجارية.
في هذا الشارع، ضرب الكورد الفيليون جذورهم لأكثر من قرن، ممسكين بزمام التجارة والاقتصاد، وهو تفوقٌ أثار حفيظة الحكومات العراقية المتعاقبة التي لم تتقبل فكرة أن يكون للكورد ثقل ونفوذ في عمق العاصمة بغداد، مما جعل الفيليين عرضة لسلسلة من حملات الملاحقة، والتهجير، والاعتقال، وصولاً إلى جرائم الأنفال.
جذور ممتدة وتهجير قسري
يستذكر الأستاذ الجامعي، فؤاد أحمد، تاريخ عائلته الممتد في هذا الشارع، ويقول لكوردستان24: "لقد وُلد والدي في هذا الشارع عام 1901، هذا هو تاريخي وهويتي. لكنهم جاؤوا وصادروا ممتلكاتنا وأموالنا، وأحرقوا وثائقنا الرسمية، ثم رموا بنا خلف الحدود".
ويضيف بمرارة: "لقد واجهنا آلاف المصاعب وتجرعنا مرارة التشرد. وبعد سقوط النظام عام 2003، ظننا أننا سنُعوض عن سنوات الظلم، لكن لم يُقدم لنا أي شيء حتى الآن".
إبادة جماعية وأرقام مفزعة
لقد شكل التمييز القومي والمذهبي ضد الكورد الفيليين في جميع العهود سبباً رئيسياً لدمارهم. ففي عهد حزب البعث، وبموجب القرار السيئ الصيت (666) الصادر عام 1980، تم "أنفلة" نحو 20 ألف كوردي فيلي، وطُردوا من منازلهم، وصُودرت ممتلكاتهم.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل تم تغييب 22 ألف شاب فيلي، ودُفن نحو 5000 كاسب وتاجر وهم أحياء (زُندة بەچاڵ)، في حين تم تهجير 600 ألف كوردي فيلي قسراً نحو الأراضي الإيرانية. ورغم كل هذه المآسي الفظيعة، لا يزال العديد من الفيليين يشعرون بأن الحكومات الاتحادية المتعاقبة بعد عام 2003 تعاملهم كـ "مواطنين من الدرجة الثانية" أسوة بنظام البعث، متجاهلةً حقوقهم في التعويض ورد الاعتبار.
قصص إنسانية لم تندمل جراحها
لا تزال عوائل الضحايا تبحث عن أجوبة لجرائم لم تُنسَ. يروي المواطن الكوردي الفيلي، يوسف سعيد، قصة شقيقه قائلاً: "كان أخي يعمل على خط (شارع الكفاح - فلسطين). وفي عام 1982، تم اعتقاله مع 22 ألف شاب فيلي آخر، ليتم إعدامه لاحقاً في عام 1983 دون أن نعرف السبب حتى يومنا هذا".
ويتابع سعيد: "لقد صادروا سيارة أخي، واستولوا على متجر والدي في سوق الشورجة. وإلى هذه اللحظة، لم نسترجع متجرنا، ولم تُصرف لأخي حقوق الشهداء".
خوف أدى إلى طمس اللغة
ولعل من أقسى تداعيات تلك الحقبة المظلمة هو طمس الهوية الثقافية واللغوية للفيليين تحت وطأة الخوف. يقول حيدر صادق، وهو مواطن كوردي فيلي: "أنا كوردي، لكنني لا أجيد التحدث باللغة الكوردية. السبب هو أنه عندما كنا أطفالاً، تم إعدام والدي، وأعمامي، وأخوالي، وابن خالي، وحتى جيراننا".
ويضيف متأثراً: "من شدة الرعب، أصبحت والدتي تتحدث معي باللغة العربية فقط، وكانت تردد على مسامعي دائماً: إياك أن تقول إنك كوردي فيلي.. وإلا سيقتلونك".
مطلب وحيد
وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن عدد الكورد الفيليين في العاصمة بغداد وحدها يبلغ نحو مليون نسمة. وفي كل عام، ومع إحياء ذكرى يوم الشهيد الفيلي، يقف هؤلاء أمام الحكومة العراقية بمطلب رئيسي واحد: استعادة هويتهم المدنية وحقوقهم في المواطنة، تلك الهوية التي جردها منهم حزب البعث يوماً ما، لمجرد أنهم كورد.
تقرير : شيفان جباري – كوردستان24 – بغداد