العراق بين سطوة الفصائل وسيادة الدولة.. حوار مع الباحث وائل الزيات حول مستقبل المنطقة
في مشهد سياسي معقد، لا تزال الفصائل المسلحة تلعب دوراً محورياً في إدارة العديد من دول الشرق الأوسط، متجاوزة في كثير من الأحيان سلطة الحكومات الرسمية، ويبرز العراق كأحد أوضح الأمثلة على هذا الصراع بين الدولة واللانظام. لمناقشة هذا الملف وتداعيات المفاوضات الإقليمية ومستقبل الاستقرار، تستضيف كوردستان24، من واشنطن، وائل الزيات، الباحث في (المجلس الأطلسي).
وهذا نص الحوار:
كوردستان24: أهلاً بك السيد وائل، وشكراً لتواجدك معنا. سؤالي الأول يتعلق بالمفاوضات الجارية حالياً بين الولايات المتحدة وإيران (بوساطة في باكستان)، هل تعتقد أن هذه التفاهمات ستضع حداً لنفوذ الميليشيات في المنطقة، أو على الأقل تضع حدوداً لسلطتها؟
وائل الزيات: شكراً لاستضافتي. في الحقيقة، كنت أتمنى أن تشمل هذه المفاوضات حلاً نهائياً لهذا الملف، لكن لنكن واقعيين؛ دور الميليشيات في الشرق الأوسط لن ينتهي بسهولة، خاصة في بلد مثل العراق. المفاوضات الجارية تركز بشكل أساسي على خفض التصعيد ومنع نشوب حرب مباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه التفاهمات ستشمل لبنان أيضاً، أما بالنسبة للعراق، فإن قضية السيطرة على السلاح يجب أن تُحل داخلياً بين الحكومة والشعب. واشنطن تضغط، لكن الحكومة العراقية تواجه ضغوطاً وتهديدات مباشرة من هذه الجماعات التي تملك نفوذاً واسعاً.
كوردستان24: بالحديث عن العراق تحديداً، هل تمتلك الحكومة العراقية فعلياً سلطة حقيقية على هذه الفصائل؟ أم أن الحكومة نفسها باتت جزءاً من منظومة القوى التي تديرها هذه الميليشيات؟
وائل الزيات: للأسف، الإجابة هي "كلاهما". منذ أكثر من عشرين عاماً، وتحديداً بعد سقوط النظام السابق، تغلغلت هذه الفصائل في جسد الدولة؛ فهي موجودة في البرلمان، وفي الحقائب الوزارية، وحتى داخل الأجهزة الأمنية. عندما تحاول الحكومة كبح جماحها، تصطدم بغياب الإرادة السياسية الموحدة أو بالتهديد المباشر، فضلاً عن الدور الذي تلعبه طهران في حماية هذه الفصائل. رئيس الوزراء يحتاج إلى تحالف سياسي واسع وقوي لمواجهة هذا النفوذ، لكن الواقع يقول إن الحكومة الحالية في وضع حرج لأن عدة أطراف داخلها مرتبطة عضوياً بهذه الجماعات.
كوردستان24: أرسلت الخارجية الأمريكية مؤخراً رسالة شديدة اللهجة إلى السفير العراقي بضرورة السيطرة على الفصائل. نحن الآن بصدد تشكيل حكومة جديدة بعد انتخاب رئيس الجمهورية؛ إذا فشلت هذه الحكومة في احتواء السلاح المنفلت، هل نتوقع رداً أمريكياً قاسياً؟
وائل الزيات: آمل أن تظهر الحكومة القادمة شجاعة سياسية، لكنها لا تستطيع فعل ذلك بمفردها. يجب أن يكون هناك تنسيق وثيق بين بغداد وأربيل، بدعم من الولايات المتحدة وأصدقاء العراق. العراق يمتلك إمكانات اقتصادية هائلة، مثل ممرات الطاقة التي تربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب (من الخليج عبر العراق إلى تركيا)، لكن هذا يتطلب استقراراً أمنياً أولاً. الولايات المتحدة وأوروبا يجب أن يلعبوا دور المستشار والداعم الاقتصادي، وفشل الحكومة في هذا الملف قد يؤدي إلى عزلة دولية وتدهور اقتصادي أكبر، وهو ما لا يريده أحد.
كوردستان24: ولكن، الميليشيات تمتلك اليوم نحو 100 مقعد في البرلمان العراقي. ألا يعني ذلك أن قرار الحكومة القادمة سيكون رهينة بيدها بالكامل؟
وائل الزيات: هذا هو التحدي الأكبر، والوضع فعلاً صعب للغاية. العراق أمام طريقين: إما الصدام أو الوصول إلى تسوية كبرى. هذه الفصائل تملك القوة العسكرية، والمال، والآن الشرعية البرلمانية. إذا استمر هذا الوضع، فستظل هي المتحكم الأول في السياسة والاقتصاد. نصيحتي للقادة العراقيين هي ضرورة فهم الديناميكيات الإقليمية الجديدة؛ العراق يجب ألا يكتفي بالتعامل مع الغرب، بل عليه تعزيز علاقاته مع جيرانه العرب مثل السعودية والأردن والإمارات، وحتى سوريا في ملفات الطاقة. هذا التكامل هو السبيل الوحيد لتقليل التوترات وإظهار فوائد الاستقرار للشعب العراقي، وبخلاف ذلك سيبقى العراق دولة هشة وقلقة.
كوردستان24: السيد وائل الزيات، الباحث في المجلس الأطلسي، كنت معنا مباشرة من واشنطن.. شكراً جزيلاً لك على هذه القراءة.