هل يتحول الطبيب إلى "مفسّر" لقرارات الذكاء الاصطناعي؟
أربيل (كوردستان24)- في تحول جذري يعيد تعريف الممارسة الطبية الكلاسيكية، بدأ الذكاء الاصطناعي التنبؤي في تغيير مفهوم "القرار الطبي" من كونه فعلاً إنسانياً خالصاً يقوم على الحدس والخبرة، إلى عملية إحصائية تنطلق من مبدأ الاحتمالات. هذا التحول لم يغير الإجابات الطبية فحسب، بل أعاد صياغة السؤال الجوهري الذي يواجهه الطبيب عند تشخيص الحالة.
كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة "جاما للطب النفسي" (JAMA Psychiatry) في عددها الصادر في أبريل (نيسان) 2026، عن نتائج مذهلة بعد تحليل بيانات أكثر من 300 ألف مريض. الدراسة استهدفت تقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع (SSRIs)، وأظهرت أن النماذج التنبؤية للذكاء الاصطناعي حققت دقة بلغت 74%، متجاوزة الممارسة التقليدية التي سجلت نحو 48%.
هذه الأرقام تشير إلى انتقاد بنيوي في طريقة التفكير الطبي؛ فبعد أن كان الطبيب يبدأ من خبرته التراكمية لاختيار الدواء، بات اليوم يبدأ من "تقدير احتمالي مسبق" توفره الخوارزميات، مما يحول السؤال من "أي دواء أختار؟" إلى "ما هي نسبة احتمال نجاح هذا الخيار؟".
في الممارسة الواقعية، يبرز هذا التحدي بوضوح؛ ففي حالات الاكتئاب المتوسط، يجد الطبيب نفسه أمام نموذج جديد. فبدلاً من اختيار الدواء ثم مراقبة الاستجابة وتعديلها –كما في النموذج التقليدي– يواجه الطبيب الآن بيانات تشير إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح تصل إلى 68%.
هذا السيناريو لا يلغي دور الطبيب، لكنه يضعه في مواجهة سؤال أخلاقي ومهني جديد: هل يتبع خبرته الشخصية وقراءته للمريض كإنسان، أم ينصاع للاحتمال الرقمي الأكثر دقة إحصائياً؟
رغم القفزة التقنية نحو ما يسمى "الطب النفسي الشخصي"، يرى خبراء أن هذه النماذج تظل محدودة في قدرتها على استيعاب التعقيد الإنساني. فالذكاء الاصطناعي يحلل أنماطاً إحصائية لحالات مشابهة، لكنه لا "يفهم" التاريخ النفسي، السياق الاجتماعي، أو التجارب الحياتية للمريض، وهي عناصر غير قابلة للقياس الكمي الكامل.
ويبرز هنا خطر "الإقناع الرقمي"؛ حيث قد يميل الأطباء للوثوق في النتائج نظراً لقوة عرضها الرقمي ومنطقها المنظم، وليس بالضرورة لثبوت دقتها المطلقة في تلك الحالة الفردية.
إن التغيير الأعمق الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي يكمن في دور الطبيب نفسه، الذي تحول من المصدر الوحيد للقرار إلى "مفسر" لتوصيات الخوارزميات و"مقيّم" لمدى مواءمتها مع واقع المريض الإنساني. هذا التحول يطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية حول "المسؤولية": من يتحمل تبعات القرار في حال الفشل؟ هل هو الطبيب الذي اتخذ الخطوة، أم النظام الذي قدم التوصية؟
يبقى الطب النفسي ساحة مفتوحة بين لغة الأرقام وتجربة الإنسان. ومع أن الخوارزميات قد تنجح في توجيه الخيارات، إلا أن جوهر الطب يظل قائماً على تحمل المسؤولية في سياق إنساني معقد لا يمكن اختزاله في معادلة. ليبقى السؤال الذي يواجهه العلم مستقبلاً: هل يمكن حقاً اختزال القرار الطبي في مجرد رقم؟