"إيران وأمريكا.. بين مطرقة الحرب وسندان التفاوض: قراءة في المشهد السياسي مع جون بولتون"

اربيل (كوردستان24) - في حلقة استثنائية من برنامجنا، نفتح ملف الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران. هل تقترب المنطقة من حافة مواجهة شاملة، أم أن هناك مسارات خفية للتفاوض قد تفضي إلى انفراجة؟ لمناقشة هذا الملف من زوايا مختلفة، يسعدنا أن نستضيف الليلة شخصية كان لها دور محوري في صياغة السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، والمدافع الشرس عن خيار الضغط القصوى على طهران؛ جون بولتون، المستشار السابق للأمن القومي الأمريكي، الذي ينضم إلينا مباشرة من واشنطن.

نص الحوار:

ژینو محمد: أهلاً بك السيد بولتون وشكراً لانضمامك إلينا. لنبدأ بسؤال عام وشامل: أين نقف الآن في خارطة هذا الصراع أو هذه "الحرب"؟

جون بولتون: في اعتقادي، ألحقت الولايات المتحدة وإسرائيل أضراراً بالغة وملموسة بإيران حتى اللحظة، سواء في برنامجها النووي، أو في مفاصلها العسكرية كالحرس الثوري وفيلق القدس، وصولاً إلى البسيج. ولكن كما هو واضح، النظام لا يزال قائماً. الشعب الإيراني لا يزال يرزح تحت وطأة القمع، وهناك حصار خانق مفروض على الموارد المائية والنفطية الإيرانية عبر الخليج. من جهتها، قامت إيران بإغلاق مضيق هرمز لعرقلة صادرات النفط للدول العربية. نحن الآن في مرحلة يترقب فيها الجميع ما إذا كان التفاوض مجدياً أم لا. من وجهة نظري، طهران لا تملك رغبة حقيقية وصادقة في التفاوض، لذا كنت أؤمن دائماً بأن الطريق الوحيد لضمان السلام والاستقرار المستدام في المنطقة هو تغيير النظام الإيراني.

ژینو محمد: حسناً، سأتطرق لاحقاً لموضوع التفاوض، لكنك تقول "تغيير النظام"، وهذا كان أحد أهداف واشنطن المعلنة. لكن هذا لم يحدث حتى الآن، فما الذي حققته أمريكا فعلياً من هذه المواجهة؟

جون بولتون: ليس واضحاً لي تماماً ما إذا كان تغيير النظام هدفاً فعلياً لإدارة ترامب. في البداية، بدا الأمر كذلك، لكنه عاد وصرح لاحقاً بأن هذا ليس هدفه. هو يرى أنه حقق أهدافه بإضعاف النظام في طهران، خاصة بعد القضاء على قيادات بارزة وتصعيد الضغط. ومع ذلك، لا تزال هناك نفس العقلية والتوجهات داخل الحرس الثوري. أعتقد أن الدلائل تشير إلى تضرر النظام بشكل كبير، وتحديداً في قمة الهرم السياسي. المفاوضون الإيرانيون لم يتلقوا تعليمات واضحة وشجاعة للتحرك. وهناك أنباء تفيد بأنه بعد الجولة الأولى من المفاوضات مع الجانب الأمريكي بقيادة جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، أرسلت طهران وفداً كبيراً من ثمانين شخصاً إلى إسلام أباد، مما يعكس عدم ثقتهم حتى بمفاوضيهم. هذا يدفعنا للاعتقاد بأنه بدعم المعارضة الداخلية، قد تلوح فرصة حقيقية لتغيير ميزان القوى والنظام.

ژینو محمد: السيد بولتون، عندما تتحدث عن وجود فرصة لتغيير النظام سياسياً، هل هذا يعني أنك تدعم استمرار خيار الحرب والعمليات العسكرية؟ هل ننتظر اندلاع مواجهات جديدة؟

جون بولتون: أعتقد أن الرئيس ترامب يركز أكثر على إيجاد مخرج لنفسه من هذا المأزق الحالي، وليس بالضرورة بناءً على استراتيجية أمن قومي واضحة. هو قلق من الوضع السياسي الداخلي، فأسعار البنزين ارتفعت والمشاكل الاقتصادية تلاحقه، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. هو يريد إنهاء الحرب، لكنه يخشى في الوقت نفسه أن يُنظر إلى أي اتفاق يعقده على أنه ضعيف، تماماً كما انتقد اتفاق باراك أوباما في عام 2015. لذا هو الآن في وضع معقد بسبب حساباته السياسية الداخلية.

ژینو محمد: إذاً، هل تحقق لواشنطن ما كانت تصبو إليه من هذه الحرب؟

جون بولتون: كما ذكرت، لست متأكداً من أهداف ترامب النهائية. الضرر الذي أصاب النظام كبير، وشمل البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، الطائرات المسيرة، القواعد العسكرية، ومصانع الإنتاج، وصولاً إلى أنظمة الدفاع الجوي والقوات البحرية والجوية. حجم الدمار في البنية التحتية العسكرية لإيران هائل، لكنه غير معلن بشكل كافٍ للعالم بسبب القيود المفروضة على الصحفيين داخل إيران. العالم يرى فقط ما يحدث في دول الخليج وإسرائيل عبر شاشات التلفزيون.

ژینو محمد: السيد بولتون، وصفت المشهد بوضوح، لكن سؤالي الجوهري هو: هل الأسباب التي أدت لاندلاع هذه المواجهة لا تزال قائمة أم تلاشت؟

جون بولتون: نعم، الأسباب لا تزال قائمة. الحرب ضرورية لتحقيق تغيير جذري في النظام، لكن ترامب لا يسلك هذا المسار بشكل كامل. تم توظيف القوة الأمريكية لإضعاف قدرات إيران في دعم أذرعها مثل حزب الله والحوثيين وحماس، وبالفعل تضررت هذه الأطراف، لكنها لم تنتهِ تماماً. إذا استمر النظام في السلطة واستأنف تصدير النفط للعالم، فإنه سيستخدم تلك الأموال لإعادة بناء قدراته وتوسيع نفوذه مجدداً.

ژینو محمد: لننتقل لملف التفاوض. رأينا جولة واحدة ولم نرى ثانية. لماذا تعطلت المسارات؟ هل السبب طهران أم واشنطن؟

جون بولتون: هناك سببان؛ الأول هو الانقسام الحاد داخل أروقة النظام الإيراني نفسه، مما منعهم من تقديم رؤية أو خطة موحدة للتفاوض. والثاني هو تباعد المواقف بين طهران وتطلعات ترامب. ترامب يشعر بالإحباط الآن لأنه يريد اتفاقاً يظهره بمظهر القوي والمفاوض البارع، لكنه في الوقت ذاته لا يريد اتفاقاً سياسياً ضعيفاً يجعله عرضة للانتقادات كما حدث مع أوباما.

ژینو محمد: لكن طهران تقول صراحة إنها لا تثق في أمريكا، ولهذا لا ترغب في جولات تفاوضية جديدة. القضية هي انعدام الثقة.

جون بولتون: صحيح، وأنا شخصياً أقول إنني لا أثق في النظام الإيراني. لذا أرى أن التهدئة الحالية خاطئة، ويجب تشديد الضغط العسكري والسياسي. القادة العسكريون في واشنطن صرحوا بضرورة استخدام الخيار العسكري لمنع إيران من الملاحة والتحكم في مضيق هرمز، ولتتمكن دول الخليج من تصدير نفطها بحرية. الحصار يجب أن يركز على شريان حياة النظام وهو النفط.

ژینو محمد: هل تفرض أمريكا شروطها الخاصة في هذه المفاوضات أم هي شروط إسرائيلية؟ وبصيغة أخرى، أين تقع إسرائيل في خارطة تفاهمات واشنطن وطهران؟

جون بولتون: ترامب اجتمع بفريق أمنه القومي للتباحث في أفضل الخيارات المتاحة. هو الآن في وضع حرج؛ لا يريد أن يتضرر سياسياً لكنه مطالب بفعل شيء يرضي قاعدته الانتخابية القلقة من أسعار الوقود. إسرائيل كانت واضحة منذ البداية؛ استقرار الشرق الأوسط يمر عبر تغيير النظام في إيران. ورغم أن ترامب هو من بدأ هذه الحرب، إلا أنه هو من يملك قرار إنهائها، والقرار في النهاية يعود إليه وحده.

ژینو محمد: إذاً أنت تؤكد أن هذه هي حرب أمريكا وليست حرباً بالوكالة لصالح إسرائيل كما تروج طهران؟

جون بولتون: بكل تأكيد، نحن نعمل بتعاون وثيق جداً مع إسرائيل. ترامب مقتنع بوجهة نظر بنيامين نتنياهو، الذي كان يرى منذ ولاية ترامب الأولى أن الخيار العسكري وتغيير النظام هو الحل الأمثل. أنا أشاركه هذا الرأي، لكن ترامب لم يغير قناعته بالكامل بعد. نتنياهو لم يقدم شيئاً جديداً في الولاية الثانية لترامب، وبقي الوضع على ما هو عليه.

ژینو محمد: هل كان لإدارة ترامب خطة استراتيجية محكمة لهذه الحرب، أم أنها كانت مجرد تنفيذ لأجندة الموساد الإسرائيلي؟

جون بولتون: لا، الولايات المتحدة كان لها أهدافها الواضحة والمعلنة؛ وهي تقويض قدرات النظام الإيراني ومنعه من تمويل الميليشيات وزعزعة استقرار المنطقة. لقد ألحقنا ضرراً كبيراً بالنظام وقياداته وقدراته العسكرية واللوجستية.

ژینو محمد: إذا كانت الأهداف واشنطنية بامتياز، فلماذا علت أصوات المعارضة في الداخل الأمريكي؟ ولماذا لم يدعمكم حلفاء الناتو؟ البعض يرى أن الافتقار لخطة محكمة هو ما أدى لهذا النفور.

جون بولتون: هاتان مشكلتان أوجدتهما إدارة ترامب بنفسها. هو لم يشرح للشعب الأمريكي بوضوح أسباب العداء الإيراني وضرورة تغيير النظام لكسب تأييدهم. كما أنه لم ينسق بشكل كافٍ مع الحلفاء في الناتو، أو مع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج التي تعتمد على نفط المنطقة. هذا النقص في التنسيق هو ما خلق هذه الفجوة.

ژینو محمد: هل يمكننا تسمية ذلك بالأخطاء الاستراتيجية لترامب وإدارته؟

جون بولتون: نعم، هي أخطاء فادحة بلا شك، وكان يجب تداركها أو تقليل أثرها.

ژینو محمد: سؤال افتراضي أخير؛ لو توقفت الحرب غداً وساد السلام، من سيكون الطرف الرابح؟

جون بولتون: هذا يعتمد على ما سيفعله ترامب. القوة العسكرية لأمريكا وإسرائيل فعالة جداً، لكن يجب فعل المزيد لدعم المعارضة الداخلية. لا أحد يعلم يقيناً ما ستؤول إليه الأمور في هذه النقطة.

ژینو محمد: هل تستطيع القول إن أمريكا هي الرابحة؟

جون بولتون: ليس بعد. لا ينبغي لأحد أن يظن ذلك لمجرد بقاء النظام. لقد تلقوا ضربات موجعة ستحتاج لسنوات للتعافي منها. أنا أدعم الرؤية الإسرائيلية بضرورة استئصال التهديد من جذوره عبر تغيير النظام، لكن كما هو واضح، ترامب لا يضع هذا الخيار كأولوية قصوى في حساباته حالياً.

ژینو محمد: لماذا هذا الإصرار الشديد على تغيير النظام؟

جون بولتون: لأن هذا النظام يمثل تهديداً وجودياً ومستمراً؛ من طموحاته النووية ودعمه للإرهاب الدولي، وصولاً إلى تهديد الاقتصاد العالمي عبر إغلاق ممرات التجارة. النظام نكث بكل وعوده، والحل الوحيد لردعه هو إنهاؤه.

ژینو محمد: لكن الدول الأوروبية لا تزال ترى أن إيران لا تشكل تهديداً مباشراً عليها.

جون بولتون: هم يرتكبون خطأً كبيراً. العمليات الإرهابية التي ترعاها إيران في أوروبا أكثر بكثير مما حدث في أمريكا الشمالية. أوروبا تضررت من تهديدات الملاحة، وصواريخ إيران الباليستية قادرة على الوصول للعمق الأوروبي.

ژینو محمد: سؤالنا الأخير؛ كيف قرأت حادثة إطلاق النار التي وقعت قرب البيت الأبيض مؤخراً؟

جون بولتون: من المؤكد أنه أمر جيد أن أحداً لم يصب بسوء، وكان يمكن أن تنتهي بكارثة. هي درس للمجتمع الحر بأن العنف وسيلة مرفوضة تماماً لحل الخلافات السياسية، وأتمنى أن يتعظ الجميع من هذا الدرس.

ژینو محمد: شكراً جزيلاً لك سيد جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، كنت معنا مباشرة من واشنطن.