طهران تحت النيران.. شهادات حية عن هشاشة الحياة وقوة التعلق بالأرض
أربيل (كوردستان24)- عندما بدأت القذائف تتساقط على طهران في شباط/ فبراير الماضي، ضجّت وسائل الإعلام العالمية بالتحليلات السياسية والتكهنات حول موازين القوى، لكن بعيداً عن صالونات السياسة، كان هناك سؤال آخر يلحّ بظلاله: ماذا عن عامة الناس الذين يتخذون من هذه العاصمة المكتظة موطناً لهم؟
مريم رحمانيان، المصورة الصحفية الإيرانية الأمريكية المقيمة في طهران، قررت ألا تكتفي بنقل أخبار الجبهات، بل أرادت سرد قصص البشر. التقطت صوراً لمدنيين اختاروا البقاء، وسألتهم عن المعنى الحقيقي للعيش في ظل الحرب، وكيف أعادت القنابل تشكيل تفاصيل حياتهم البسيطة.
تقول رحمانيان، التي تعمل في طهران بتصريح رسمي: «اضطر البعض لمواصلة العمل لكسب القوت، بينما انزوى آخرون في منازلهم يصارعون ساعات من عدم اليقين. انصبّ تركيز البعض على حماية أحبائهم، بينما حاول آخرون التمسك بقشور الحياة الطبيعية التي باتت تزداد هشاشة يوماً بعد يوم». وتضيف: «هذه القصص لا تقدم تأريخاً شاملاً للحرب، بل تقدم سجلاً إنسانياً ضيق النطاق ولكنه جوهري، يوثق كيف تُعاش الحرب وتُحفر ندوبها في ذاكرة من بقوا».
سليمة (35 عاماً): "أفزع من كل صوت"
"كنت في العمل عند الساعة 9:40 صباحاً حين سمعت الدويّ"، هكذا تروي سليمة، مديرة الموارد البشرية، لحظة اندلاع الشرارة الأولى. "تسلل الرعب إلى الجميع، صعدنا إلى السطح ورأينا أعمدة الدخان تتصاعد".
حين غادرت سليمة مكتبها، وجدت شوارع طهران وقد استحالت إلى ساحة من الفوضى؛ أمهات باكيات، وطريق يستغرق عادة 40 دقيقة امتد لثلاث ساعات من الاختناق المروري. تقول: «أكثر ما آلمني هو مشهد أطفال المدارس، كانت ملامح القلق بادية على وجوه الجميع». اليوم، تعيش سليمة تحت وطأة صدمة نفسية: «أفزع من أي صوت، حتى أصوات البناء قرب منزلي تثير قلقي. لقد تغير روتيننا تماماً، ولم يعد هناك شيء يبدو طبيعياً».
أكرم (63 عاماً): "التاريخ يعيد نفسه"
بالنسبة لأكرم، يبدو الدمار الحالي كشريط ذكريات مؤلم يعيدها إلى ثمانينيات القرن الماضي إبان الحرب العراقية الإيرانية. تقول: «أشعر وكأن التاريخ يكرر فصوله أمام عيني. مشاهد الركام في طهران تعيدني إلى خرمشهر. أتذكر طفلاً أُخرج من تحت الأنقاض يسأل عن أمه التي رحلت؛ رأيت هذا قبل أربعين عاماً، وأراه اليوم مجدداً».
وتلاحظ أكرم فارقاً واحداً جوهرياً وهو "التكنولوجيا"؛ ففي الماضي كانت الأخبار تُنقل شفاهة، أما اليوم فتصل الهواتف في ثوانٍ. ومع ذلك، تبدي أكرم اعتزازاً بـ "المقاومة"، قائلة: «أعتقد أننا وقفنا في وجه قوى عظمى، وبالنسبة لي، إنه لشرف أن أقف بثبات وأقول إننا صمدنا».

ريزفانه (22 عاماً): "انقطعت حياتي تماماً"
ريزفانه، مدرسة اللغة الكورية، كانت تستعد لحصة عبر الإنترنت حين مزّق دوي انفجار هائل هدوء الفجر. "حاولت مراسلة طالبي، لكن الإنترنت انقطع فجأة. وحين عادت الخدمة للحظات، وصلتني رسالة منه: (بدأت الحرب). ومنذ تلك اللحظة، تغير كل شيء".
بسبب تعثر الاتصالات، توقف عمل ريزفانه، وتملكها ذعر دائم لكونها تسكن بجوار مسجد خشيت أن يكون هدفاً عسكرياً. تصف لياليها قائلة: «أصبحت الليالي هي الأصعب؛ قلبي يخفق بشدة لا يمكن السيطرة عليها. أحاول تشتيت ذهني بالقراءة أو الأفلام، لكن اهتزاز النوافذ بعنف في إحدى الليالي جعل الراحة أمراً مستحيلاً».
سارة (39 عاماً): "أريد أن أشهد الحقيقة"
كانت سارة تقود سيارتها حين بدأت الانفجارات. "ظننتها مظاهرة في البداية، ثم رأيت الدخان". استغرق طريق عودتها للمنزل ساعتين وسط شوارع مغلقة ومدنية جريحة. ورغم نصيحة والدتها بالرحيل، رفضت سارة مغادرة طهران.
تقول سارة: «تعلقي بمنزلي وحياتي هو سبب بقائي. سأبقى هنا حتى اللحظة الأخيرة، أريد أن أشهد ما يحدث لمدينتي بعيني. نحن لا نريد فوضى، نريد فقط أن نعيش حياة طبيعية بلا حروب أو عقوبات».
صدرا (33 عاماً): "الصدمة تسكن الجسد"
يتذكر صدرا، الفنان وجامع الأعمال الفنية، حالة "اللايقين" المرعبة. "كنا نقف في الفناء، ننادي بعضنا بعضاً، وأصوات الجيران يملؤها الخوف". يقول صدرا إن أثر الانفجارات ليس نفسياً فحسب، بل جسدي أيضاً: «لقد تأثر سمعي بموجات الانفجار. هذا النوع من الصدمة لا يرحل، بل يبقى ساكناً في جسدك لسنوات». ومع ذلك، يبدي صدرا تفاؤلاً على المدى البعيد، مؤمناً بصمود إيران التاريخي، رغم إدراكه للخسائر الفادحة التي يتكبدها البسطاء.
آزاده (50 عاماً): "الموت في بيتي وسط ذكرياتي"
كانت آزاده تطعم طيورها حين هز انفجار عنيف أركان منزلها. "ظننت أن السطح قد سقط، ثم توالت الاتصالات المذعورة من الجيران لندرك أن الحرب قد بدأت".
تصف آزاده علاقتها ببلدها كعلاقة الجسد بالروح: «إيران هويتي، كيف أشعر بالسعادة وجسدي مجروح؟». ترفض آزاده المغادرة من أجل حيواناتها الأليفة التي ترعاها، وتقول بصلابة: «أنا لا أخشى الموت، لكنني كنت أقول دائماً: إذا حان أجلي، فليكن ذلك في بيتي، محاطة بذكرياتي وكل ما أحب».
المصدر: شبکة سي ان ان الاخباریة