من المنتصر في الصراع الأميركي الإيراني.. اتفاق "عظيم" أم هزيمة سياسية مؤجلة؟

أربيل (كوردستان24)- يتجاوز الجدل الأميركي الراهن بشأن الحرب مع إيران حدود التجاذب الحزبي التقليدي بين البيت الأبيض والديمقراطيين، أو حتى الانقسام الجمهوري بين "الصقور" والرئيس الساعي لتسويق منجز سياسي؛ إذ تحول الخلاف في جوهره إلى صراع محتدم حول "تعريف النتيجة" النهائية لهذه المواجهة.

تطرح الأوساط السياسية تساؤلات جوهرية حول كفاية الأهداف التي وضعها الرئيس دونالد ترمب، والمتمثلة في منع طهران من امتلاك سلاح نووي وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، لإعلان "النصر". في المقابل، يرى معارضون أن أي اتفاق يتضمن الإفراج عن أموال مجمدة أو يمنح إيران دوراً في أمن المضيق، سيُصنف مستقبلاً كـ "هزيمة سياسية مؤجلة". ويتغذى هذا الخطاب المعارض من الفجوة بين لغة ترمب الواثقة باتفاق "عظيم"، وبين تعقيدات الواقع التفاوضي التي لا تزال تصطدم بملفات اليورانيوم، والعقوبات، والوضع في لبنان.

زادت التقارير الأخيرة من حالة الالتباس؛ حيث نقلت "رويترز" عن التلفزيون الإيراني ملامح مسودة إطار أولي تقضي بإعادة الملاحة في هرمز لمستوياتها الطبيعية خلال شهر، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي وانسحاب القوات الأميركية من محيط إيران، مع إدارة مشتركة (إيرانية-عمانية) لحركة السفن. وتنص المسودة على تحويل الاتفاق إلى صيغة ملزمة في مجلس الأمن خلال 60 يوماً.

من جانبه، سارع البيت الأبيض لنفي هذه التقارير، واصفاً مذكرة التفاهم المشار إليها بأنها "مختلقة بالكامل". وفي سياق متصل، تشير تقارير أميركية إلى أن الملاحة في هرمز لا تزال تحت قيود شديدة، وأن استعادة الثقة التجارية قد تستغرق أشهراً حتى في حال صدور إعلان سياسي وشيك.

يصوّر خصوم ترمب الحرب كخسارة محتملة، بالنظر إلى ما قد تحصده طهران على طاولة المفاوضات لا بما دمرته الضربات العسكرية. ويبرز تخوف صقور الجمهوريين، ومن بينهم السيناتور تيد كروز، من سيناريو يمنح إيران مليارات الدولارات وهامشاً للتخصيب ونفوذاً في المضيق، مما يعني انتزاع ثمن سياسي واقتصادي رغم عدم قدرتها على فرض استسلام عسكري.

على المفهوم المقابل، تؤكد المعطيات أن إيران تفاوض من موقع المتأثر بالحصار والضربات؛ فهي تسعى لإنقاذ اقتصادها عبر الوصول إلى أصول مجمدة قد تصل إلى 100 مليار دولار، مع التركيز على إفراج مبكر عن نحو 12 ملياراً كجزء من مرحلة أولى تشمل 24 ملياراً، وذلك وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال".

وصف باراك بارفي، الباحث في "نيو أميركا"، التفاوض مع الإيرانيين بأنه يشبه "شراء سجادة في بازار"، حيث تظهر مطالب جديدة تعيد الأمور لنقطة الصفر. واعتبر أن الوصول إلى أي مذكرة تفاهم يعد "مهمة هرقلية وبيزنطية" نظراً لتعدد الأصوات الإيرانية وضبابية مراكز القرار، فضلاً عن نزعة ترمب لإعلان تطورات قد لا تتطابق بدقة مع الواقع الميداني.

تراهن طهران في استراتيجيتها على ثلاثة عناصر: (الزمن، أسعار الطاقة، والانقسام الداخلي الأميركي). وقد تجلى أثر هذا الرهان في تراجع أسعار خام برنت إلى نحو 92.77 دولار بمجرد خفض "الحرس الثوري" لاحتمالات تجدد الحرب.

إلا أن المحللين يقللون من حتمية خضوع ترمب لهذه الضغوط؛ إذ يمتلك أدوات تنفيذية وحوافز مالية لتخفيف أعباء المعيشة داخلياً. كما يبرز الدور الصيني كقوة إقليمية طامحة لا تبدو مستعدة أو قادرة على الحلول محل واشنطن في حماية النظام الدولي أو تأمين المصالح العالمية في المنطقة، بحسب مايكل سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن.

يظل مضيق هرمز جوهر الصراع؛ فبينما يشدد وزير الخارجية ماركو روبيو على ضرورة فتحه "بطريقة أو بأخرى"، يُحذر منتقدون من أن منح إيران أي حقوق إشرافية أو رسوم عبور سيمثل سابقة خطيرة. أما نووياً، فتبقى التفاصيل هي العقدة: هل سيتم تدمير اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران، أم يُنقل لدولة ثالثة مثل كازاخستان التي أبدت استعداداً للمساعدة؟

يرتبط المسار التفاوضي بجبهات مشتعلة في لبنان وغزة والبحر الأحمر. ويرى مراقبون أن تعثر الهدنة في لبنان يعود جزئياً لرهان "حزب الله" على نتائج المفاوضات الأميركية-الإيرانية. وبينما تحاول طهران استخدام هذه الأوراق لتحسين شروطها، تسعى واشنطن لفصل المسارات لضمان عدم تحول أي اتفاق إلى "مظلة" لاستنزاف حلفائها في المنطقة.

تخلص القراءة السياسية للمشهد إلى أن المعركة الفعلية حالياً ليست على من يعلن النصر أولاً، بل على من يمتلك القدرة على صياغة "الشروط الأخيرة"؛ بحيث يسعى ترمب لاتفاق يمنع الطموح النووي ويؤمن الملاحة دون تقديم مكافأة استراتيجية لطهران، بينما تحاول إيران انتزاع مكاسب اقتصادية ومنع خصمها من احتكار صورة الانتصار الكامل.