من إرث الحرب الباردة إلى واحة استثمارية: مشروع "كوشنر-ترامب" يثير الجدل حول مستقبل جزيرة "سازان" الألبانية
أربيل (كوردستان24)- في نقطة استراتيجية تلتقي فيها مياه البحرين الأدرياتيكي والأيوني، تستعد جزيرة "سازان" الألبانية، التي ظلت لعقود طويلة منطقة عسكرية مغلقة ومحاطة بالسرية، لإنهاء عزلتها التاريخية. فبين تفاصيل ماضيها الحربي وتطلعات مستقبلييها، يبرز مشروع سياحي ضخم بقيمة 1.5 مليار دولار يقوده المستثمر الأمريكي جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب، بهدف تحويل الجزيرة من رمز للعزلة الشيوعية إلى وجهة سياحية بارزة.
ويرسم هذا المشروع ملامح مرحلة جديدة للجزيرة، حيث يضعها في مركز اهتمام سياسي واقتصادي وبيئي، وسط تباين في المواقف بين ترحيب رسمي بفرص الاستثمار الواعدة، ومخاوف متزايدة من تداعيات التطوير العمراني على طبيعتها البكر.
حارسة الأدرياتيكي: إرث عسكري وجغرافي
تبلغ مساحة جزيرة "سازان" نحو 6 كيلومترات مربعة، لكن موقعها عند مدخل خليج "فلورا" جنوب غربي ألبانيا يمنحها أهمية استراتيجية بالغة كبوابة مائية تربط بين البحار الإقليمية عبر قناة "أوترانتو". هذه الأهمية جعلت الجزيرة هدفاً تاريخياً لقوى متعاقبة، شملت الرومان والعثمانيين والإيطاليين والألمان.
وخلال حقبة الحرب الباردة، وتحديداً في خمسينيات القرن الماضي، فتح النظام الشيوعي الألباني بقيادة أنور خوجا الجزيرة للاتحاد السوفيتي لتصبح قاعدة مراقبة متقدمة في البحر الأبيض المتوسط. وتضم الجزيرة حتى اليوم شواهد مادية على تلك الحقبة، تتمثل في شبكة من الأنفاق والمستودعات المهجورة والملاجئ المضادة للأسلحة النووية، التي تعكس هواجس الدفاع والأمن التي سيطرت على تلك المرحلة.
من رحلة بحرية إلى خطة استثمارية مليارية
بدأت الملامح الأولى للمشروع الاستثماري من خلال زيارة استكشافية غير رسمية قامت بها إيفانكا ترامب برفقة زوجها جاريد كوشنر إلى المنطقة. ووفقاً لتصريحات سابقة لإيفانكا ترامب، فإن اهتمامهما بالجزيرة بدأ بعد زيارة ميدانية عفوية لفتت انتباههما إلى الإمكانات الطبيعية غير المستغلة للموقع.
وتطور هذا الاهتمام لاحقاً إلى مقترح استثماري يقوده كوشنر عبر شركته الاستثمارية، بهدف تحويل الجزيرة إلى منتجع سياحي فاخر يستهدف قطاع السياحة الراقية عالمياً.

ملامح المخطط التطويري المقترح
وفقاً للخطط الأولية والموافقات التنظيمية المبدئية من الجهات الألبانية المختصة، يتضمن المشروع عدة ركائز أساسية، منها إنشاء فنادق ومنتجعات فاخرة بمعايير عالمية. مع تشييد فيلات خاصة مصممة لتتناسب مع الطبيعة الجغرافية للموقع. بالاضافة الى إنشاء مرسى مخصص لليخوت لتسهيل حركة الوصول والمغادرة. كما يتضمن المخطط، تنفيذ برامج لتنظيف المواقع العسكرية القديمة وإعادة تأهيل البيئة المحيطة.
ويأتي هذا المشروع في وقت تشهد فيه "الريفيرا الألبانية" نمواً ملحوظاً في حركة السياحة الدولية، حيث تُطرح كبديل هادئ وأقل كلفة مقارنة بالوجهات التقليدية في جنوب أوروبا.
التوقعات الاقتصادية والتوجه الحكومي
يرى مسؤولون حكوميون في ألبانيا أن المشروع يمثل فرصة لتحويل الجزيرة من موقع عسكري مهجور وعبء لوجستي إلى محرك اقتصادي يسهم في خلق فرص العمل وتعزيز الدخل القومي. وقد منحت الحكومة الألبانية المشروع صفة "المستثمر الاستراتيجي"، مما يمهد الطريق لبدء الدراسات البيئية والتخطيطية المفصلة.
ويأمل القائمون على القطاع الاقتصادي في ألبانيا أن يسهم المشروع في وضع البلاد بقوة على خريطة السياحة الفاخرة، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية المتميزة وقرب الجزيرة من السواحل الإيطالية واليونانية.
تحديات البيئة ومخاوف الاستدامة
في المقابل، يواجه المشروع تحفظات وقلقاً من جهات بيئية ومنظمات مجتمع مدني. وتشير هذه الجهات إلى أن جزيرة "سازان" والمناطق البحرية المحيطة بها تتمتع بنظام بيئي حساس وتنوع بيولوجي فريد ظل محمياً لعقود بسبب حظر الأنشطة البشرية والتجارية فيها.
وتطالب المنظمات البيئية بضرورة إخضاع المشروع لتقييمات بيئية دقيقة وشفافة، محذرة من أن عمليات التشييد الواسعة قد تؤثر سلباً على الموائل الطبيعية لبعض الكائنات البحرية والنباتات النادرة التي تميز الجزيرة.
ويظل التحدي الأبرز أمام هذا المشروع الطموح هو تحقيق توازن عملي بين تطلعات التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية، وبين التزامات الحفاظ على الإرث البيئي والتاريخي لجزيرة "سازان".