أوروبا في مواجهة "دبلوماسية الكوكايين": تسوية مالية مع مهرب ألباني تثير التساؤلات حول كفاءة الردع القضائي
اربيل (كوردستان24) - سلطت قضية "فلامور س."، أحد أبرز الوجوه في شبكات تهريب المخدرات الألبانية، الضوء مجدداً على التحديات المتصاعدة التي تواجهها السلطات الأمنية والقضائية في أوروبا وبلجيكا، وذلك بعد إبرام "اتفاقية تسوية" مثيرة للجدل أفضت إلى إطلاق سراحه مقابل مبالغ مالية، مما يعيد فتح ملف نفوذ "المافيا الدولية" وقدرتها على استغلال الثغرات القانونية والجغرافية.
بلجيكا: ساحة حرب للشبكات المنظمة
تُعد مدينة أنتويرب البلجيكية إحدى النقاط الأكثر سخونة في نشاط شبكات المخدرات العابرة للحدود؛ فمن خلال التحقيقات في قضية "سامبا" الكبرى وشركة "كريفا روخم"، تبيّن حجم التغلغل المرعب لهذه العصابات. فلامور س.، الملقب بـ "مارادونا"، لم يكن مجرد ناقل، بل كان "مهندس لوجستيات" أشرف على تجنيد المهربين ونقل ما يقارب 17 مليون يورو من أموال السموم، ضمن شبكة هرّبت أكثر من 16 طناً من الكوكايين إلى قلب القارة العجوز خلال أشهر قليلة.
تركيا: من نقطة ترانزيت إلى "ملاذ آمن" بالجنسية
يكشف مسار هروب فلامور س. وشريكه "ساني المردا" إلى إسطنبول عن استراتيجية جديدة تتبعها المافيا العالمية، حيث تحولت تركيا من مجرد محطة ترانزيت للمخدرات إلى "ملاذ آمن" للمطلوبين. واستغل هؤلاء المهربون سياسة "الجنسية مقابل الاستثمار" للحصول على جوازات سفر تركية، مما شكل درعاً قانونياً حال دون تسليمهم لبلجيكا لسنوات، إذ ترفض أنقرة – كقاعدة عامة – تسليم مواطنيها. ورغم تراجع السلطات التركية لاحقاً عن منح بعض هذه الجنسيات تحت ضغوط دولية، إلا أن نجاح مجرمين مثل "المردا" في الفرار مجدداً يثبت نجاعة هذه الملاذات في توفير وقت ثمين للمجرمين للإفلات من العدالة.
معضلة القضاء: المال مقابل الحرية
أثارت الاتفاقية التي أبرمها الادعاء العام البلجيكي مع فلامور س.، والتي تقضي بدفعه 1.5 مليون يورو مقابل تخفيف حكمه إلى 5 سنوات (قضى معظمها في التوقيف)، تساؤلات عميقة حول "ضعف" المنظومة القضائية في مواجهة المافيا الألبانية المتمرسة.
ويرى مراقبون أن لجوء النيابة العامة إلى "الاعتراف المسبق بالذنب" والتسوية المالية يعكس نوعاً من "البراغماتية القسرية" نتيجة البطء الشديد في المحاكمات الكبرى وتراكم القضايا، مما يمنح كبار المهربين فرصة لشراء حريتهم بأموال هي في الأصل من عوائد نشاطهم الإجرامي. خروج "مارادونا" من السجن فور صدور الحكم يبعث برسالة مقلقة لشبكات المافيا مفادها أن النظام القانوني قد يكون "قابلاً للتفاوض" إذا ما توفرت السيولة المالية الكافية.
تحدي المافيا الألبانية
تثبت هذه القضية أن المافيا الألبانية باتت رقماً صعباً في معادلة الجريمة الأوروبية، لقدرتها على الربط بين الموانئ البلجيكية، والملاذات الآمنة في الشرق، واستخدام المحامين لتفكيك القضايا المعقدة. ومع استمرار هروب رؤوس كبيرة في هذه التنظيمات، يبقى السؤال قائماً: هل تستطيع الشرطة والقضاء في أوروبا الصمود أمام إمكانيات "كارتيلات" تتجاوز ميزانياتها ميزانيات أجهزة أمنية بأكملها؟
المصدر: جریدة (دي مورغن) البلجیکیة، عدد الیوم، السبت 6 حزیران 2026