مساعٍ مستمرة لاستئناف تصدير نفط آبار كوردستان عبر تركيا كمنفذ آمن وسط أزمة مضيق هرمز
اربيل (كوردستان24) - تتسارع المباحثات الفنية والسياسية بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية في بغداد لإيجاد مخرج سريع لملف إستئناف تصدير النفط من آبار اقليم كوردستان بوتيرة عالية، وعبر أنبوب الإقليم إلى ميناء جيهان التركي. وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية حقيقية جراء التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز، ما جعل أنبوب الإقليم المنفذ الأكثر أماناً لتعويض أي خسائر محتملة في حركة الصادرات الجنوبية.
الإقليم يبادر لدعم الاقتصاد العراقي وتجاوز أزمة الصادرات
وكان رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، قد أشار في تصريحات صحفية إلى أن العراق والعالم تأثرا بالتبعات الاقتصادية الناجمة عن محدودية طرق التصدير وتحديات مضيق هرمز. وأوضح مسرور بارزاني أن الإقليم بادر لتقديم الدعم للإقتصاد العراقي من خلال العمل على زيادة الإنتاج النفطي وتأمين مسارات بديلة.
وأضاف رئيس الحكومة أنه وجّه بذهاب وفد فني من الإقليم يضم ممثلين عن الشركات النفطية الأجنبية إلى بغداد، حيث عقدوا اجتماعاً جاداً مع رئيس الوزراء الاتحادي، علي الزيدي، لبحث متطلبات استئناف العمل. وأكد بارزاني أن الشركات تطالب بضمانات واضحة لاستئناف إنتاجها النفطي وزيادة التصدير عبر الإقليم، مشيراً إلى دعم حكومة الإقليم لهذه الخطوة بانتظار حسم بعض التفاصيل الفنية هذا الأسبوع.
مطالب الشركات النفطية والوعود الحكومية في بغداد
وفقاً لمصادر مطلعة تحدثت لـ "كوردستان 24"، فإن الشركات النفطية العاملة في الإقليم وضعت شروطاً واضحة أمام رئيس الوزراء العراقي خلال اجتماعات الأسبوع الماضي، والتي جرت بمشاركة وفد من حكومة الإقليم.
وتمثلت مطالب الشركات في عدة نقاط، منها حماية حقول وآبار النفط من هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ لضمان سلامة المنشآت والكوادر الفنية والمهندسين الأجانب. مع وضع آلية واضحة تضمن دفع مستحقاتها المالية الجارية بانتظام عند استئناف التصدير، بما يتوافق مع تعديل قانون الموازنة الاتحادية. بالاضافة إلى الالتزام بدفع القروض والمستحقات السابقة المتراكمة لتلك الشركات.
وبحسب هذه المصادر، فقد وعد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، الوفد المشترك بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة الملف الأمني، وتوفير الحماية للمنشآت والتحقيق في أية هجمات قد تقع عليها.
لم تكن الهجمات التي استهدفت الحقول النفطية في إقليم كوردستان حوادث معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة متكررة من الضربات بطائرات مسيّرة طالت البنية التحتية لقطاع النفط خلال العامين الماضي والحالي.
ففي منتصف تموز/يوليو 2025، شهد الإقليم واحدة من أكبر موجات الاستهداف، إذ تعرضت نحو ثمانية حقول نفطية لأكثر من 15 هجوماً بطائرات مسيّرة، وفق ما أعلنته المؤسسات الأمنية في الإقليم. وأسفرت تلك الهجمات عن أضرار واسعة أدت إلى توقف ما يقارب 70% من إنتاج النفط في الإقليم بشكل مؤقت، فضلاً عن تعليق عدد من الشركات الأجنبية أنشطتها، من بينها شركة "دي إن أو" النرويجية.
ولم تتوقف الهجمات عند ذلك الحد، ففي آذار/مارس 2026 تجدد استهداف المنشآت النفطية، حيث تعرض حقل "سرسنك" في محافظة دهوك، الذي تديره شركة HKN Energy الأميركية، لهجوم بطائرات مسيّرة أدى إلى تعليق عمليات الإنتاج وإلحاق أضرار مادية بالموقع. كما استهدفت هجمات مماثلة حقل "سوارا تيكا" خلال الفترة ذاتها.
وتثير هذه الهجمات مخاوف متزايدة بشأن أمن البنية التحتية للطاقة في إقليم كوردستان، لما تمثله من تهديد مباشر للإنتاج النفطي والاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن تأثيرها على الاستقرار الاقتصادي وقطاع الطاقة الذي يُعد أحد أهم ركائز اقتصاد الإقليم.
أنبوب كوردستان يمثل طوق نجاة للاقتصاد الاتحادي
وفي قراءة فنية واقتصادية للملف، أكد الخبير النفطي والمحلل الاقتصادي، الدكتور كوفند شيرواني، في حديث لـ "كوردستان 24"، على الأهمية الاستراتيجية لاستئناف التصدير عبر الإقليم في هذا التوقيت الحرج.
وقال شيرواني: إن إنتاج النفط في حقول الإقليم تراجع بشكل حاد من قرابة 250 ألف برميل يومياً إلى ما دون 30 ألف برميل حالياً، وذلك بسبب المخاوف الأمنية للشركات الأجنبية من الهجمات الصاروخية والمسيرة، بالإضافة إلى تجميد خط الأنابيب. هذا الإنتاج الضئيل المتبقي يُستعمل محلياً لتفادي الإغلاق التام للآبار الذي قد يسبب أضراراً فنية بالغة".
وأوضح شيرواني حاجة بغداد العاجلة للخط التركي قائلاً : العراق يواجه خطراً حقيقياً يهدد صادراته الجنوبية التي تمر عبر مضيق هرمز والخليج، والتي تمثل الشريان الرئيسي لموازنته العامة. ومع تعرض هذا الممر لتهديدات جيوسياسية مستمرة، بات أنبوب إقليم كوردستان المتجه إلى ميناء جيهان التركي – بطاقته الاستيعابية التي تصل إلى مليون برميل يومياً – المنفذ الآمن والوحيد المتاح حالياً لتأمين وصول النفط العراقي إلى الأسواق العالمية".
وأشار الخبير النفطي إلى الآثار الاقتصادية الإيجابية للاستئناف قائلاً: إن تفعيل هذا الخط سيمكّن العراق من تصدير نفط كوردستان ونفط كركوك مجدداً، كما يمكن من خلال إجراء بعض الترتيبات الفنية نقل جزء من نفط البصرة (بحدود نصف مليون برميل يومياً) عبر هذا الأنبوب مع 250 الف برميل من ابار كوردستان و250 الف برميل من ابار كركوك سيكون بمجمله نحو مليون برميل يوميا. هذا الإجراء كفيل بتأمين ما يقارب الثلث، من إجمالي الإيرادات العامة للعراق وتخفيف وطأة العجز المالي والآثار السلبية الناتجة عن توقف صادرات البصرة، مستفيدين من الارتفاع الحالي في أسعار النفط العالمية".
ومع ترقب الأوساط الاقتصادية للاجتماعات الفنية المقررة الأسبوع الجاري، يبقى حسم ملف "الضمانات الأمنية والمالية" للشركات الأجنبية المفتاح الأساسي لإعادة عجلة الإنتاج والتصدير، وسط رغبة مشتركة بين أربيل وبغداد لترسيخ التعاون الاقتصادي وحماية الموازنة الاتحادية من تقلبات وتوترات المنطقة.
تعود جذور توقف الصادرات النفطية من إقليم كوردستان إلى آذار (مارس) 2023، عندما أوقفت تركيا ضخ نحو 450 ألف برميل يومياً من النفط العراقي (منها قرابة 370 ألف برميل مستخرجة من حقول الإقليم) عبر خط الأنابيب الممتد إلى ميناء جيهان التركي.
وأعلنت وزارة النفط العراقية في 26 ايلول من العام الماضي 2025، استئناف تصدير النفط من إقليم كوردستان، إثر اتفاق جديد بين بغداد وأربيل وبعد توقف دام عامين ونصف العام.
وكان الاتفاق يقضي الاتفاق بضخ وتسليم كل النفط الخام المنتج من حقول إقليم كوردستان باستثناء الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي، إلى شركة تسويق النفط العراقية (سومو) داخل العراق لتتولى تصديره عبر الأنبوب العراقي التركي عن طريق ميناء جيهان التركي، وفق وزارة النفط العراقية.
وقبل ذلك وقعت وزارة النفط العراقية، ووزارة الموارد الطبيعية بإقليم كوردستان، وشركات النفط الأجنبية العاملة في الإقليم، اتفاقية ثلاثية تمهَد لإستئناف تصير نفط إقليم كوردستان.
وبدأت الحكومة العراقية الاتحادية في 18 مارس 2026، تصدير النفط من حقول كركوك إلى ميناء جيهان التركي عبر خط أنابيب إقليم كوردستان، وذلك بعد توصَل بغداد وإقليم كوردستان العراق إلى اتفاق. في ظل بحث العراق عن بدائل لتعويض تعطل الصادرات عبر الخليج، جراء تداعيات الحرب الامريكية الايرانية الإسرائيلية واغلاق مضيق هرمز منذ نهاية شباط الماضي.
وتراجع إنتاج النفط في العراق بنحو 70% مع استمرار التوترات في الخليج واستمرار اغلاق مضيق هرمز. بعد أن كان العراق قبل التوترات العسكرية الأخيرة ينتج في حدود 4.3 ملايين برميل والصادرات نحو 3.3 ملايين برميل يومياً في فبراير/ شباط.
ويعتمد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على صادرات النفط الخام، إذ تشكل أكثر من 90 % من عائدات البلاد.