غوتيريش يحذر من "الفوضى المناخية" ويطالب شركات الذكاء الاصطناعي بالكشف عن بصمتها البيئية

اربيل (كوردستان24) -  دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يوم الثلاثاء، إلى اتخاذ إجراءات أكثر سرعة وحسماً للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، موجهاً تحدياً مباشراً لشركات الذكاء الاصطناعي بضرورة "الإفصاح بصدق" عن بصمتها البيئية، ومحذراً في الوقت ذاته من أن الاستمرار في الاعتماد على الوقود الأحفوري يغذي أزمتي المناخ والطاقة عالمياً.

وجاءت تصريحات غوتيريش في خطاب ألقاه بالعاصمة البريطانية لندن، بالتزامن مع موجة حر شديدة تضرب القارة الأوروبية للمرة الثانية خلال شهرين، ليرسم صورة قاتمة لكوكب الأرض الذي شهد للتو أحر 11 عاماً في تاريخه المسجل.

وقال غوتيريش: "إن الفوضى المناخية تتسارع أمام أعيننا"، مضيفاً أن أزمة الطاقة الحالية، التي أججتها الحروب في الشرق الأوسط، "تكشف بوضوح حماقة عالم لا يزال مدمناً على الهيدروكربونات".

قصة أزمتين
واقتبس الأمين العام للأمم المتحدة عنوان رواية الكاتب البريطاني الشهير تشارلز ديكنز في القرن التاسع عشر "قصة مدينتين"، ليصف الواقع الراهن بـ "قصة أزمتين".

وأوضح خلال مشاركته في "أسبوع لندن للعمل المناخي" – وهو تجمع سنوي لصناع القرار والتنفيذيين والمنظمات غير الحكومية – قائلاً: "قد تبدو هاتان الأزمتان منفصلتين في الظاهر، لكنهما تشتركان في المصدر المدمر نفسه، وهو الوقود الأحفوري".

وأعلن غوتيريش عن مبادرات دولية جديدة تهدف إلى مكافحة انبعاثات غاز الميثان، ومعالجة المخاوف المتزايدة بشأن الاستهلاك المفرط للطاقة والمياه والأراضي من قبل مراكز البيانات الضخمة التي تغذي تقنيات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.

وكشفت دراسة أممية أُعدت مؤخراً أن مراكز البيانات استهلكت في عام 2025 كميات من الكهرباء تتجاوز ما تستهلكه معظم دول العالم باستثناء 10 دول فقط، ورجحت الدراسة أنه بحلول عام 2030، قد يتجاوز استهلاك هذه المراكز للكهرباء استهلاك جميع دول العالم باستثناء خمس دول فقط.

وفي هذا الصدد، أطلق غوتيريش "مبادرة الشفافية البيئية للذكاء الاصطناعي"، حثَّ فيها كبرى شركات التكنولوجيا على قياس تأثيرها البيئي والإعلان عنه للرأي العام، والالتزام بتشغيل كافة مراكز البيانات بالطاقة المتجددة بحلول عام 2030. وأردف قائلاً: "حان الوقت للإفصاح بصدق؛ فإذا كان للذكاء الاصطناعي أن يساعد في بناء مستقبل أفضل، فعليه أولاً أن يكون صادقاً بشأن التكلفة البيئية التي يتكبدها كوكبنا الآن".

تحذير من "نقاط تحول كارثية"
وحذر غوتيريش من أن العالم ينحرف "بشكل خطير" عن مساره الرامي لتحقيق هدف الانبعاثات الصفرية الصافية بحلول عام 2050. وبموجب اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، اتفقت الدول على الحد من ارتفاع حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، إلا أن العلماء يشيرون الآن إلى إمكانية تجاوز هذا الحاجز بحلول عام 2030.

وقال غوتيريش: "يجب أن نتحرك بجدية أكبر للحد من حجم وفترة أي تجاوز لحدود الـ 1.5 درجة مئوية"، منبهاً إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يقود العالم نحو "نقاط تحول كارثية لا يمكن الرجوع عنها".

وأصدر المجلس الاستشاري العلمي للأمم المتحدة تقريراً يفصل مخاطر تخطي نقاط التحول تلك، بدءاً من ذوبان الجليد الذي سيؤدي لارتفاع مناسيب البحار، وصولاً إلى انهيار الشعاب المرجانية وتدهور غابات الأمازون المطيرة.

أفضل الأوقات وأسوؤها
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى خفض سريع لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن النفط والغاز والفحم، مطالباً الحكومات بفرض ضرائب على الأرباح الاستثنائية المفاجئة لعملاق الطاقة والنفط، والتوجه نحو الطاقة المتجددة الأرخص كبديل آمن.

كما شدد غوتيريش على ضرورة مكافحة انبعاثات الميثان، المسؤول عن ثلث الاحتباس الحراري العالمي، والذي يفوق تأثيره تأثير ثاني أكسيد الكربون بـ 80 ضعفاً، رغم قصر عمره في الغلاف الجوي مقارنة بالأخير.

وطالب قطاعي الزراعة والنفايات باتخاذ خطوات جادة للحد من إنتاج الميثان، لكنه وجه تركيزاً خاصاً لقطاع الوقود الأحفوري قائلاً إن "التحرك في هذا المجال تآخر كثيراً".

وأشار إلى إمكانية القضاء على نحو 70% من انبعاثات الميثان الناتجة عن النفط والغاز باستخدام التقنيات الحالية المتاحة، لافتاً إلى أن نحو 167 مليار متر مكعب من الغاز جرى حرقها وتبديدها في عام 2025 وحده، وهي كمية تعادل الاستهلاك السنوي لقارة أفريقيا بأكملها. وطالب الحكومات بوضع معايير عالمية جديدة لقطاع النفط والغاز تؤدي لخفض انبعاثات الميثان إلى مستوى يقارب الصفر.

واختتم غوتيريش خطابه بالقول: "نحن بالفعل نعيش في أفضل الأوقات وأسوئها؛ أسوؤها لأن التأثيرات المناخية تشتد ونقاط التحول تقترب، وأزمة الطاقة كشفت المخاطر العميقة للاعتماد على الوقود الأحفوري. لكنها أيضاً أفضل الأوقات، لأن ثورة الطاقة المتجددة قد انطلقت بالفعل ولا يمكن إيقافها".