كابوس "الطابو المزيف" في بغداد.. كيف تحول عشرات المواطنين إلى ضحايا لفساد الدوائر الرسمية؟

أربيل (كوردستان24)- تخيل أن تستيقظ ذات يوم لتجد أن المنزل الذي تأوي فيه عائلتك منذ عشر سنوات أو أكثر، ودفع شقى عمرك لشرائه، لم يعد ملكاً لك قانونياً، وأن السند الرسمي الذي تحمله في يدك ليس سوى ورقة مزورة. هذا الكابوس يعيشه اليوم عشرات المواطنين في منطقة "حي الجهاد" ومناطق أخرى بجانب الكرخ من العاصمة العراقية بغداد، إثر تكشف واحدة من أكبر عمليات التزوير والتلاعب العقاري.

أما الصدمة الأكبر للضحايا، فهي أن عمليات التزوير لم تجرِ في مكاتب وهمية، بل نُفذت داخل دهاليز دائرة رسمية تابعة لوزارة العدل (التسجيل العقاري)، والتي أطاحت الأجهزة الأمنية بمديرها وموظفين آخرين فيها على خلفية تزوير قيود أراضٍ شاسعة، أغلبها مملوك للدولة أو مصادر من مسؤولي النظام السابق.

سجلات مجمدة وعقارات مصادرة

تتكشف خيوط القضية مع محاولة المواطنين إجراء معاملات روتينية على عقاراتهم. ويروي همام سليم، أحد أصحاب تلك المنازل، تفاصيل الصدمة لـ"كوردستان 24" قائلاً: "ذهبت لفتح بيان عقاري، فأبلغوني بضرورة استخراج سند حديث لعام 2026. وعندما حاولت سحب السند، تفاجأت بصدور قرار بالتحفظ على المعاملة لوجود تزوير في القيد العقاري".

ويضيف سليم بحسرة: "تبين أن الأرض مسجلة في الأساس باسم قائد الحرس الخاص ومحافظ البصرة في عهد النظام السابق، وأن المتلاعبين بالقيود هم موظفون بالتواطؤ مع مدير تسجيل عقاري الكرخ في منطقة العامرية. ولم يقتصر التلاعب على منطقتنا، بل شمل مساحات واسعة في مناطق العامرية، وحي الخضراء، والشارقة، والأطباء، والأساتذة".

ضحايا التزوير.. مطالبون بالشراء مجدداً!

بينما كان الضحايا ينتظرون حلولاً حكومية تنصفهم وتُحمل الدائرة الرسمية مسؤولية الفساد الإداري والتواطؤ، جاءت القرارات والإجراءات الحكومية لتمثل صدمة إضافية لهم. إذ طالبت الجهات المعنية أصحاب المنازل بإعادة شراء عقاراتهم مجدداً من الدولة، ووفقاً لأسعار السوق الحالية، وهو إجراء يراه المتضررون غير منطقي ومجحفاً بحقهم كضحايا.

وفي هذا السياق، يتساءل المواطن عصام علوان، وهو صاحب منزل آخر متضرر: "بعد 11 سنة كاملة من السكن والاستقرار، نكتشف فجأة وجود تزوير في قيد التمليك. والإجراء الحكومي الموجه إلينا الآن هو إعادة الشراء! بأي حق يطالبوننا بالشراء مجدداً؟".

ويضيف علوان بغضب: "لقد اشترينا هذه المنازل بطرق رسمية وقانونية، وعبر دائرة حكومية معترف بها، وأكملنا كل الإجراءات ودفعنا الرسوم والضرائب المقررة. بأي قانون نُطالب بدفع ثمن بيوتنا مرة ثانية بسبب ذنب لم نرتكبه؟".

ملف يتفاعل ومخاوف من القادم

ومع تواصل التحقيقات الجنائية مع الشبكة المتورطة في دوائر "طابو الكرخ"، يواصل هذا الملف تفاعله وإثارة القلق في الشارع البغدادي، لا سيما أن عمليات التزوير تمددت لتشمل مناطق سكنية متعددة، وسط مخاوف حقيقية من وجود مئات العقارات الأخرى المزورة التي لم تُكتشف تفاصيل قيودها حتى اللحظة، مما يهدد استقرار مئات العائلات التي وقعت ضحية لفساد مستشرٍ في المؤسسات الخدمية.