صراع الدولار والذهب يضع العراق أمام خيارات البترويوان الاستراتيجية
أربيل (كوردستان24)- بينما يقترب العالم من نهاية عام 2026، تتصاعد التساؤلات حول مستقبل الهيمنة المطلقة للدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي. ومع بروز الذهب كلاعب تاريخي متجدد وتنامي دور "اليوان الصيني"، يجد الاقتصاد العراقي نفسه أمام ضرورة استراتيجية لإعادة تموضعه ضمن نظام مالي يتجه بسرعة نحو "التعددية القطبية".
تشير التقارير الاقتصادية إلى أن الدولار، الذي تربع على عرش المالية العالمية لأكثر من ثمانية عقود، بدأ يواجه مرحلة من "التنويع القسري" في الاحتياطيات الدولية. ووفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، انخفضت حصة الدولار في الاحتياطيات الرسمية من 70% مطلع الألفية إلى نحو 57% حالياً.
في المقابل، سجلت مشتريات البنوك المركزية من الذهب مستويات تاريخية، ليس كبديل كامل للدولار، بل كأداة تحوط حاسمة في ظل التوترات الجيوسياسية وارتفاع الدين العام الأمريكي. ويرى محللون أن عام 2026 قد يمثل نقطة تحول في تسعير الذهب، حيث تضع بعض المؤسسات سيناريوهات متفائلة لنمو أسعاره، رهناً بمسار الفائدة الأمريكية وتطورات النزاعات الدولية.
على صعيد الطاقة، يبرز مفهوم "البترويوان" كأبرز تحدٍ لنظام "البترودولار" المستقر منذ السبعينيات. ومع تحول الصين إلى أكبر مستورد للطاقة وصناعي عالمي، بدأت بكين في تعزيز تسوية صفقات النفط بعملتها الوطنية، مما يفتح الباب أمام الدول النفطية لتقليل الاعتماد الكلي على العملة الخضراء.
ويؤكد خبراء أن هذا التحول لن يؤدي إلى انهيار مفاجئ للدولار، نظراً لعمق أسواق الخزانة الأمريكية وسهولة سيولتها، لكنه يؤسس لنظام "متعدد العملات" تتقاسم فيه القوى الاقتصادية الكبرى الأدوار.
بالنسبة للعراق، الذي يعتمد بنسبة 90% على الإيرادات النفطية المقومة بالدولار، فإن هذه التحولات ليست مجرد توقعات، بل هي تحديات تمس الأمن القومي الاقتصادي.
وتشير القراءات التحليلية للمشهد العراقي إلى ضرورة تبني استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور:
المرونة النقدية: البدء بدراسة جدية لإدخال "اليوان" في التعاملات التجارية مع الصين، الشريك التجاري الأكبر للعراق، لتقليل مخاطر التحويل والارتباط الأحادي.
تنويع الاحتياطيات: ضرورة استمرار البنك المركزي العراقي في موازنة محفظته من العملات الأجنبية والذهب لمواجهة أي صدمات اقتصادية مفاجئة.
علاج "المرض الهولندي": التحذير من أن أي إصلاح نقدي لن يجدي نفعاً دون إصلاح هيكلي ينهي "الاقتصاد الريعي"، عبر تفعيل قطاعات الصناعة والزراعة وتحويل العراق إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة.
سيناريوهات المستقبل 2026-2035
يرسم المراقبون ثلاثة سيناريوهات لمستقبل النظام المالي:
الأول: بقاء الدولار في الصدارة مع تراجع نسبي في حصته السوقية.
الثاني (الأرجح): الانتقال لنظام مالي متعدد العملات (دولار، يورو، يوان، ذهب) يتطلب سياسات إدارة مخاطر معقدة.
الثالث: تسارع "إزالة الدولرة" في حال حدوث انقسام جيوسياسي حاد بين الشرق والغرب.
إن الحكمة الاقتصادية تفرض على صانع القرار العراقي الاستعداد لـ "عالم ما بعد الهيمنة المطلقة"، ليس عبر التخلي عن الدولار، بل عبر تنويع الشركاء والعملات، وبناء قاعدة اقتصادية وطنية لا تهتز بتقلبات العملات الدولية. فالمستقبل سيكون من نصيب الدول التي تمتلك القدرة على التكيف وصناعة البدائل قبل وقوع الأزمات.
تقرير: هيفيدار شعبان - كوردستان24