سجاد بيجار "الحديدي".. ملحمة تراثية تواجه خطر الاندثار

أربيل (كوردستان 24)- في قلب مدينة بيجار بشرق كوردستان(ايران)، حيث يتنفس المكان فناً وتراثاً، لا تبدو العقدة في السجاد اليدوي مجرد ربط تقليدي بين خيطين، بل هي لبنة إضافية تُشيّد في جدار يوثق تاريخاً يمتد لآلاف السنين.

سجادة بيجار، التي اكتسبت شهرة عالمية وعُرفت في الأسواق الدولية باسم "السجادة الحديدية"، تتجاوز كونها مجرد قطعة أثاث منزلي، لتصبح بمثابة "شاهنامة" أو ملحمة بصرية تنسجها الألوان وتصوغها المشاعر الإنسانية.

نقوش صفوية عريقة تواجه الندرة

وفي هذا السياق، أوضح تاجر السجاد، إيرج ملاقديمي، في تصريح خاص لـ كوردستان24، أن الهوية البصرية والجمالية لسجادة بيجار تكمن في تفاصيل نقوشها الهندسية والنباتية الفريدة.

وقال ملاقديمي: "تُعرف سجادة بيجار بنقوشها المميزة التي يسهل على المهتمين والخبراء التعرف عليها فوراً في أي بلد أو مدينة تُعرض فيها. ورغم أنها أصبحت اليوم أقل توفراً في الأسواق مقارنة بالسابق، إلا أن بيجار تظل رمزاً للجودة والمتانة".

وأضاف مستعرضاً بعض النقوش التاريخية التي توارثتها الأجيال: "من أبرز النقوش التي تميز هذا السجاد هي نقوش 'الصيد' (شکار)، و'روبي' (ڕووبێ)، و'فم التنين' (دەم ئەژدەر)، بالإضافة إلى نقش 'ياسمين مريم' (چوارگوڵ مریەم) الذي يعود تاريخه إلى العهد الصفوي، إلى جانب تصميمات كلاسيكية أخرى شهيرة مثل نقش 'سمندر خانم' و'زبيدة خانم'".

متانة الحديد بلمسة إنسانية

وما يمنح سجادة بيجار هذه القيمة الاستثنائية والسمعة الدولية هو وزنها وكثافتها الفريدة التي تفوق أنواع السجاد الأخرى. ويعود هذا التماسك العالي إلى استخدام تقنية نسج خاصة تُعرف محلياً بـ "اللف" (لوولدام) أو التداخل، فضلاً عن عملية الضرب القوي والمحكم بالمشط الحديدي على خيوط اللحمة، وهو ما يجعل السجادة متينة وعصية على التلف وكأنها قطعة من حديد.

ورغم تسجيل بيجار لعلامتين تجاريتين عالميتين لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، إلا أن هذا الإرث الثقافي يواجه اليوم تحديات حقيقية تهدد بقاءه، مدفوعةً بنقص الأيدي العاملة الشابة والتغيرات الاجتماعية والمعيشية المتسارعة.

لغة المشاعر وقلق على المستقبل

من جانبه، تحدث صاحب معمل صناعة السجاد، سهراب جبانيان، لـ كوردستان24 عن الأبعاد الإنسانية والعاطفية الكامنة وراء هذه الحرفة، قائلاً: "من يعشق سجادة بيجار، يستطيع فهم لغتها الخاصة؛ فبمجرد النظر إليها، يمكنك تلمس مشاعر النساج، وقراءة آلامه، ومشاركته أفراحه وأمانيه التي غُزلت بعناية فائقة بين هذه الخيوط".

وأشار جبانيان إلى المكانة العالمية التي تحظى بها هذه المصنوعات في كبرى المؤسسات الثقافية الدولية: "تحتفظ متاحف عالمية كبرى بسجاد بيجار كقطع فنية نادرة، فمثلاً يضم متحف 'الهيرميتاج' الشهير في روسيا، إلى جانب ثلاثة متاحف بارزة في الولايات المتحدة، سجاجيد من بيجار تُعرض كتحف أثرية خلف واجهات زجاجية مخصصة".

ومع ذلك، لم يخفِ جبانيان قلقه العميق بشأن مستقبل هذه الصنعة، مضيفاً: "هذا التقدير العالمي يدعونا جميعاً للحفاظ على هذا الفن، لكنني أشعر بقلق حقيقي إزاء عزوف الجيل الجديد عن تعلم هذه الحرفة، مما يهدد بزوالها تدريجياً. نحن نبذل قصارى جهدنا لضمان استمرار هذا الإرث ونقله للأجيال القادمة".

ركيزة اقتصادية مهددة

لا يمثل سجاد بيجار مجرد قيمة تاريخية وجمالية فحسب، بل يشكل ركيزة اقتصادية هامة لمحافظة سنندج (سنه)، حيث يقدر الإنتاج السنوي من السجاد اليدوي في المحافظة بنحو 160 ألف متر مربع، يعتمد في إنتاجها قرابة 50 ألف نساج ونساجة، ما يجعل المنطقة قطباً اقتصادياً واجتماعياً بارزاً.

ومع ذلك، يبقى التساؤل الملح قائماً في الأوساط الثقافية والمحلية: هل ستجد نساجات المستقبل من يكمل مسيرة الجيل القديم خلف نول النسج، أم أن هذا الفن العريق سينتهي به المطاف مجرد قطع أثرية صامتة في زوايا المتاحف العالمية؟

تقرير خاص بكوردستان24 - بيجار