المنافسة الكبرى القادمة: كيف تحول "الحلفاء الطبيعيون" في الشرق الأوسط إلى خصوم لدودين؟

أربيل (كوردستان 24)-  بعد عقود من التعاون الاستراتيجي الذي جعل من تركيا وإسرائيل "حلفاء طبيعيين" في منطقة مضطربة، تشهد العلاقة بين أنقرة وتل أبيب تحولاً جذرياً نحو صراع نفوذ إقليمي متصاعد. لم يعد الخلاف مجرد تراشق لفظي عابر، بل تطور إلى مواجهة جيوسياسية شاملة تشمل ملفات سوريا، المتوسط، التسلح الجوي، والتحالفات الدولية.

تصعيد دبلوماسي وحرب رموز

بدأت الحرب الكلامية تأخذ منحىً خطيراً وغير مسبوق؛ حيث بات السياسيون الإسرائيليون يضعون تركيا في خانة التهديد ذاتها التي يحتلها "محور المقاومة". وفي خطوة وصفت بأنها "رفع لسقف التحدي"، اعترفت إسرائيل رسمياً في حزيران الماضي بـ "الإبادة الجماعية للأرمن"، وهي القضية الأكثر حساسية لدى الدولة التركية. في المقابل، لم يتوانَ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، معتبراً أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسوريا تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي.

يرى مراقبون أن جزءاً من هذا التصعيد يخدم أجندات داخلية؛ فنتنياهو يحتاج إلى تصوير إسرائيل كـ "قلعة محاصرة" لتعزيز شعبيته قبل الانتخابات، بينما يستخدم أردوغان الخطاب المعادي لإسرائيل كـ "فزاعة" لصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والتضخم المرتفع في بلاده.

سوريا: ساحة الصراع المباشر

تمثل الجغرافيا السورية نقطة الاحتكاك الأخطر؛ حيث يمتلك البلدان مناطق نفوذ متنافسة (تركيا في الشمال وإسرائيل في الجنوب). وبينما تسعى تركيا إلى بناء دولة سورية قوية تحت نفوذ حلفائها (مثل حكومة أحمد الشرع)، تفضل إسرائيل بقاء سوريا ضعيفة ومفككة لضمان أمن حدودها الشمالية.

تتزايد المخاوف الإسرائيلية من التأثير التركي "المفرط" على النظام السوري الجديد، وتنظر تل أبيب بريبة إلى القواعد الجوية التي قد تنتقل للسيطرة التركية. ورغم وجود قنوات اتصال استخباراتية لمنع الاصطدام المباشر حتى الآن، إلا أن التناقض في الأهداف الاستراتيجية يبقي احتمالية المواجهة قائمة.

منطق "التطويق"

يشعر الطرفان بتهديد "التطويق" من قِبل الآخر؛ فتركيا تنظر بقلق بالغ إلى ما تصفه بالدعم الإسرائيلي لـ "مجموعات مسلحة في المنطقة" وتعتبر هذا النشاط محاولة لزعزعة استقرار أمنها القومي عبر تمكين قوى معارضة لمصالحها في الساحات الإقليمية. في المقابل، تشعر إسرائيل بالقلق من التحالفات العسكرية التركية الصاعدة مع قوى إقليمية مثل مصر وباكستان والسعودية، والتي تعتبرها تل أبيب محاولة لخلق تكتل إقليمي يقلص من نفوذها.

وفي شرق المتوسط، تشكل التحالفات الإسرائيلية مع اليونان وقبرص في مجالات الاستخبارات والدفاع والطاقة مصدر احتكاك دائم مع تركيا، التي تصر على حقوقها في المياه المتنازع عليها وحقول الغاز، وتعتبر التنسيق الإسرائيلي-اليوناني محاولة لـ "حبسها" داخل سواحلها.

معركة الـ F-35 والدور الأمريكي

انتقل الصراع إلى أروقة واشنطن؛ حيث تبذل إسرائيل جهوداً مضنية في "الكونجرس" لمنع تركيا من استعادة صفقة طائرات "إف-35" الشبحية. تمتلك إسرائيل حالياً التفوق الجوي النوعي بهذه الطائرات في المنطقة، وترى أن حصول أنقرة عليها سيقلب موازين القوى. ويشير محللون إلى أن الهجمات الإعلامية الإسرائيلية الأخيرة ضد أردوغان تهدف بشكل استباقي لإجهاض أي توجه محتمل من إدارة ترامب لإعادة تركيا إلى برنامج الطائرات المقاتلة.

الواقع البراغماتي خلف الستار

رغم هذا العداء المعلن، لم تُقطع الجسور بالكامل؛ فلا تزال السفارات قائمة في كلا البلدين (وإن كانت بدون سفراء منذ 2023). والأهم من ذلك، أن المصالح الاقتصادية لا تزال تتدفق؛ حيث تصل الصادرات التركية إلى إسرائيل عبر دول وسيطة، ولا يزال النفط القادم من أذربيجان وشمال العراق يتدفق إلى الموانئ الإسرائيلية عبر ميناء "جيهان" التركي.

المستقبل: ما بعد أردوغان ونتنياهو

هناك تيار يرى أن الصراع الحالي "شخصي" مرتبط بتركيبة القادة الحاليين، وأن الدولتين كقوتين غير عربيتين ومتحالفتين مع الغرب لديهما قواسم مشتركة تفرض عليهما التعاون مستقبلاً. ومع ذلك، يبرز اسم "هاكان فيدان" (وزير الخارجية التركي الحالي) كعنصر قلق مستقبلي لتل أبيب، حيث يصنفه المحللون الإسرائيليون كشخصية "أكثر خطورة" نظراً لخلفيته الاستخباراتية وعلاقاته الإقليمية المعقدة.

في الختام، يبدو أن الصراع الإسرائيلي-التركي قد تجاوز مرحلة الخلافات الدبلوماسية ليصبح منافسة استراتيجية كبرى على قيادة المنطقة. ورغم أن احتمالية الحرب المباشرة بين جيشين يتبعان للمعسكر الغربي لا تزال مستبعدة، إلا أن "الحروب بالوكالة" وتضارب المصالح في الساحات الخارجية يجعلان من هذه العلاقة "القنبلة الموقوتة" القادمة في الشرق الأوسط.

المصدر: صحیفة The Economist البریطانیة