«كومبارس» وهتافات مدفوعة الأجر.. فضيحة سياسية تضرب حزب «الشعب الجمهوري» التركي وتعمق انقساماته

أربيل (كوردستان24)- ضجت الساحة السياسية والشعبية في تركيا بجدل واسع إثر الكشف عن فضيحة من العيار الثقيل، بطلها حزب «الشعب الجمهوري» المعارض، برئاسة كمال كليتشدار أوغلو (المعيَّن بقرار قضائي مؤقت). وتتمثل الفضيحة في استعانة الحزب بمئات الممثلين «الكومبارس» للظهور كحشود مؤيدة خلال حفل سياسي أقيم مؤخراً في مدينة إسطنبول، ما فتح الباب أمام عاصفة من الانتقادات وتبادل الاتهامات، فضلاً عن تحركات قانونية ضد الصحافة.

بدأت خيوط القضية تتكشف عندما فجرت الصحافية المعارضة "إبرو تشيليك"، العاملة في صحيفة «بيرغون»، قنبلة إعلامية عبر تقرير استقصائي نشرت تفاصيله على منصة «إكس». وأوضحت تشيليك أنها تمكنت من التسلل إلى صفوف الجماهير بعد تلقيها معلومات تفيد بجمع مئات الأشخاص عبر وكالات الإنتاج الفني (الريجيسير)، تحت غطاء المشاركة في تصوير فيلم سينمائي، مقابل أجر مادي قدره 950 ليرة تركية لعمل يستغرق 3 ساعات.

وفي تفاصيل الواقعة، وثقت الصحافية رحلتها مع "الكومبارس"، مشيرة إلى توفير 20 حافلة لنقلهم من أمام «مركز ترمب» التجاري إلى مركز «رؤوف دنكتاش» الثقافي بمنطقة سارير؛ حيث أُقيم الحفل بحضور كليتشدار أوغلو ورئيس فرع الحزب في إسطنبول، غورسال تكين.

وأرفقت تشيليك صورتها من داخل القاعة، مؤكدة أن الحشود المأجورة ضمت جنسيات مختلفة (إيرانية، أوزبكية)، إلى جانب عاطلين عن العمل ومتقاعدين، بل إن بعضهم صرح بدعمه لأكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، ولا تربطهم أي صلة بكليتشدار أوغلو أو حزبه.

هتافات "تحت الطلب" ومفارقات ساخرة

وكشف التقرير الصحفي عن إجراء «بروفة» للممثلين قبل بدء الفعالية؛ حيث طُلب منهم التصفيق والصفير وترديد شعارات تمجد كليتشدار أوغلو، مثل: «كمال البطل»، و«كليتشدار أوغلو.. أمل الشباب». ولإضفاء طابع الواقعية، تم إلباس نحو 50 شخصاً سترات خاصة بـ"فرع الشباب" التابع للحزب.

ومن المفارقات التي أثارت سخرية الشارع التركي، تزامن هتافات "الكومبارس" الذين كانوا يتهامسون حول موعد تسلمهم للـ 950 ليرة، مع خطاب ألقاه غورسال تكين قال فيه: «أيها الأصدقاء، إذا كان لديكم صديق يكذب ويخدع، فتوقفوا عن التحدث إليه فوراً»، في حين تم إغلاق أبواب القاعة لمنع المشاركين من المغادرة قبل انتهاء كلمة كليتشدار أوغلو.

تخبط حزبي وتهديدات للصحافة

في أول تعليق رسمي، اكتفى المتحدث باسم الحزب، مسلم صاري، بالقول: «إذا كان هذا الوضع صحيحاً، فسنجري التقييم اللازم».

لكن الرد الفعلي جاء عبر القضاء؛ حيث تقدم غورسال تكين بشكوى جنائية إلى المدعي العام ضد الصحافية تشيليك، ومنسقي صحيفة «بيرغون»، ومراسل قناة «سوزجو» المعارضة، بتهمة خرق قانون «مكافحة التضليل الإعلامي»، وذلك بعد أن أجرى الأخير مقابلات مصورة مع بعض الحضور الذين اعترفوا بتلقيهم أموالاً لحضور الحفل.

هذا التصعيد استدعى رداً حازماً من «رابطة الصحافيين الأتراك المعاصرين»، التي أدانت التحرك القضائي ووصفته بـ"محاولة للترهيب". وأكدت الرابطة في بيان لها أن "تشويه سمعة الصحافيين واتهامهم بالتآمر هو اعتداء صارخ على حرية الصحافة، وأن الرد على الأخبار يجب أن يكون بالأدلة وليس بالتهديدات".

الرئاسة التركية على خط الأزمة

تأتي هذه الفضيحة في توقيت شديد الحساسية يمر به حزب «الشعب الجمهوري»، وتحديداً بعد الانقسام الحاد الذي أدى إلى استقالة رئيس الحزب المنتخب (المعزول مؤقتاً) أوزغور أوزيل، وتأسيسه «الحزب الجديد» برفقة 90 نائباً برلمانياً، ما أدى إلى تراجع «الشعب الجمهوري» إلى المرتبة الخامسة في البرلمان.

وفي هذا السياق، علق كبير مستشاري الرئاسة التركية للشؤون القانونية، محمد أوتشوم، على هذه الانقسامات واصفاً إياها بـ «الثرثرة السياسية».

وأشار أوتشوم في تصريح عبر «إكس» إلى أن انقسام الحزب المعارض الرئيسي لا يحمل أي وزن في مسار الحياة السياسية التركية؛ لكونه غير مبني على رؤى أو برامج سياسية، بل تحركه "أجندات شخصية وجماعية" للصراع على السلطة. وذكّر بأن تاريخ الحزب شهد 13 انشقاقاً سابقاً لم تُحدث تغييراً يُذكر باستثناء حالات نادرة تاريخياً.

وبين فضيحة "الكومبارس" وانقسام الكوادر، يبدو أن المعارضة التركية تعيش واحدة من أشد أزماتها الداخلية، وسط تساؤلات حول قدرتها على استعادة ثقة الشارع الذي بات يراقب المشهد بكثير من التشكيك.