الإتاوات والفوضى تنهي العصر لـ"كيماديا العراق"
قبل 50 عاما كانت الحكومة العراقية أغنى كثيرا مما هي عليه الآن وكانت تنفق بسخاء على تمويل قطاع الصحة، حيث كانت الشركة العامة المسؤولة
أربيل (كوردستان 24)- قبل 50 عاما كانت الحكومة العراقية أغنى كثيرا مما هي عليه الآن وكانت تنفق بسخاء على تمويل قطاع الصحة، حيث كانت الشركة العامة المسؤولة عن استيراد الدواء والمعروفة اختصارا باسم كيماديا تتمتع بعلاقة وثيقة مع كبرى شركات الأدوية العالمية.
وعلى النقيض من تلك الأيام التي كانت فيها الشركة في أوج نشاطها في السبعينيات والثمانينيات أصبحت كيماديا لا تملك من المال ما يكفي لتغطية احتياجات العراق من الأدوية.
في العام 2018 خصصت موازنة الدولة للأدوية 800 مليون دولار وتجاوزت كيماديا هذا المبلغ وتراكمت عليها ديون إضافية قدرها 455 مليون دولار لشركات الأدوية. وقال مديرها العام مظفر عباس إنها لم تستورد في النهاية سوى 12 في المئة من قائمة الأدوية الأساسية المؤلفة من 535 صنفا بكميات تكفي لتلبية الطلب المحلي.
وفي العام التالي واستجابة لنداءات وزير الصحة في ذلك الوقت علاء علوان طلبا لأموال إضافية، وافقت الحكومة على زيادة ميزانية كيماديا إلى 1.27 مليار دولار، لكن بعد تسوية ديون الشركة لم يتبق سوى 810 ملايين دولار وهو تقريبا المبلغ نفسه الذي كان مخصصا لها في العام السابق.
ويقول مسؤولون إن تغييرات في أسلوب اتخاذ قرارات الشراء وحملة لوقف الهدر أدت إلى تحسن المشتريات.
وتحت وطأة استمرار نقص الموارد وضعت الوزارة أيضا خططا طارئة للشراء مباشرة من حكومات أخرى منها تركيا والأردن ولبنان وإيران والهند كما اعتمدت بكثافة على منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). وأسفرت تلك الجهود في 2019 عن تأمين الحكومة 235 دواء تمثل 52 في المئة من الاحتياجات.
ووفقاً لتقرير لوكالة رويترز فأن أشد الأدوية تأثرا بأزمة الميزانية في العامين الأخيرين كانت أدوية السرطان وذلك بناء على مقابلات مع مسؤولين وتحليل لوثائق مشتريات كيماديا. وتعد أدوية السرطان وخاصة بعض أنواع العلاج الكيماوي من بين أغلى الأدوية ثمنا.
وفي العام 2018 لم تشتر الحكومة العراقية سوى أربعة فقط من 59 صنفا من الأدوية الأساسية التي تعتبرها منظمة الصحة العالمية ضرورية لعلاج السرطان، وفي 2019 اشترت الحكومة 37 من هذه الأدوية أي ما يعادل 63 في المئة من إجمالي الأدوية الموصى بها.
وكانت نسبة كبيرة من الأصناف التي لم يتم شراؤها أدوية للعلاج الكيماوي مثل بروكاربازين وفلودارابين المخصصة لعلاج سرطانات الدم مثل اللوكيميا وأورام الغدد الليمفاوية الهودجكينية وهي الأمراض المعروف أن علاجها صعب.
وحتى المستوردين من القطاع الخاص يواجهون، كما اكتشفت رويترز، صعوبات في إدخال الأدوية إلى العراق. فقد قال مستوردون إن لوائح تسجيل المنتجات تغيرت ثلاث مرات في السنوات الخمس الأخيرة فقط، ويستغرق تسجيل المصنع لدى وزارة الصحة تسعة أشهر بينما يستغرق تسجيل الدواء عامين.
وعندما سيطر تنظيم داعش على طريق دولي يربط العراق بالأردن كان المتطرفون يستوقفون سائقي الشاحنات ويجبرونهم على دفع إتاوات وكانوا يحصلون على إيصالات بها، وعندما استطاعت الشركات الأجنبية إدراج هذه الاتاوات في نماذج العمل الخاصة بها أبلغتها الحكومة بأن دفع الاتاوات يمثل تمويلا للإرهاب.
وقال عدد من المستوردين إنهم اتجهوا للبحر، غير أن مسؤولين في ميناء البصرة يطلبون رشوة تبلغ 30 ألف دولار للحاوية الواحدة من أجل السماح بدخول الأدوية حتى إذا كانت الوثائق مكتملة.
وتبين تصريحات عامة لمسؤولي قطاع الصحة أن أكثر من 40 في المئة من الأدوية في السوق مهربة نتيجة لذلك من دول من بينها تركيا وإيران والأردن ولبنان والهند والصين.
وقال عباس رئيس كيماديا "ما يزيد الأمر سوءا في العراق هو عدم سيطرة الدولة على المنافذ الحدودية بشكل كامل. وبالتالي دخول (تهريب) الأدوية قد يكون ليست فقط المغشوشة، حتى الأدوية المسجلة والمتداولة بشكل رسمي، البعض من الشركات بسبب عدم السيطرة على المنافذ الحدودية أيضا يحاول يدخل (يهرب) المادة تخلصا مثلا من الضرائب ومن الرسوم. هذا كله في خانة الفوضى الدوائية".
ويقدر عباس أن سوق الأدوية في العراق تتراوح قيمته بين أربعة وخمسة مليارات دولار لا تمثل كيماديا سوى 25 في المئة منها.