شرناخ تخلد إرث 'سراج ليل كوردستان'.. من هو الملا الجزيري؟
أربيل (كوردستان 24)- انطلقت اليوم السبت في مدينة شرناخ بشمال كوردستان (تركيا)، أعمال "الملتقى الدولي الرابع للملا الجزيري"، بحضور الرئيس مسعود بارزاني ومشاركة واسعة من المسؤولين والأكاديميين الأتراك والكورد، لتسليط الضوء على الإرث الأدبي والصوفي لواحد من أعمدة الشعر الكوردي الكلاسيكي.
ويأتي هذا الملتقى تكريماً للشاعر والمتصوف الكوردي الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الجزيري، المعروف بـ (ملاي جزيري)، الذي يعد أيقونة أدبية خالدة، وصف نفسه يوماً في أبياته قائلاً:
"أنا وردة حديقة إرم بوطان... أنا سراجُ ليلِ كوردستان".
من هو الملا الجزيري؟
وُلد الجزيري عام 1570م في "جزيرة بوطان" (ابن عمر)، التي كانت حينها عاصمة لإمارة بوطان الكوردية. وعُرفت الجزيرة قديماً باسم "كاردو كزارتا"، أي "مكان العلماء الكورد"، في دلالة على ثقلها العلمي والثقافي.
عاش الشاعر في حقبة الأمير شرف خان الثالث، وخلّد ذكره بقصيدتين، مُعاصراً فترة تميزت بالتنافس بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، حيث حافظت إمارة بوطان - التي أسسها الأمير عبد العزيز (الأمراء العزيزيين) - على استقلاليتها تارة وشبه استقلاليتها تارة أخرى، مما وفر بيئة خصبة لولادة الأدب الكوردي المكتوب.
بين العشق والتصوف
تأثر نتاج الملا الجزيري بالطريقة النقشبندية وفلسفة "وحدة الوجود" التي كانت سائدة في العالم الإسلامي آنذاك. وقد تجلى ذلك في قصائده التي مزجت بين العشق الإلهي، التصوف، الحقيقة، العرفان، ومدح الطبيعة. ومن أشهر أبياته التي تعكس لوعته الصوفية:
"اليوم من ضربة الخنجر، لا بد أنك تتألم يا الملا... تشبهُ خصلاتِ شعر الحبيبة، أعلم أنك مُشتت يا الملا".
ويُعد الجزيري، إلى جانب شعراء مثل "فقي طيران" (الذي كانت له مساجلات شعرية معه) والأمير عماد الدين الجزيري، ومن بعدهم الملا باتي وأحمد خاني، المؤسسين الحقيقيين للمدرسة الكلاسيكية في الشعر الكوردي.
المدرسة الحمراء ومهد الحضارة
ارتبط اسم الجزيري بـ"المدرسة الحمراء" (Medresa Sor)، وهي الصرح العلمي الذي بناه الأمير شرف خان الثاني وتُعد من أقدم الجامعات التاريخية. كما استمد الشاعر إلهامه من جغرافية المكان، حيث جبل "الجودي" ونهر دجلة، الرمزان المرتبطان بقصص التاريخ والنبي نوح عليه السلام.
توفي الملا الجزيري عام 1640م في مسقط رأسه بجزيرة بوطان، تاركاً خلفه ديواناً شعرياً لا يزال يُدرس ويُلهم الأجيال، ومحفزاً لعقد ملتقيات دولية تستحضر روحه وأدبه كما يحدث اليوم في شرناخ.
