كوردستان وبغداد: صراع الهوية ومخاوف العودة إلى المركزية.. حوار المكاشفة مع آزاد توفيق
أربيل (كوردستان 24)- أعزائي المشاهدين، السلام عليكم وأهلاً بكم في حلقة جديدة من "باسی رۆژ - حديث اليوم". نقف اليوم أمام مشهد سياسي معقد؛ فالعراق وإقليم كوردستان كلاهما على أعتاب تشكيل حكومتين جديدتين.
ومن قلب هذا المخاض، تبرز أسئلة وجودية: كيف ولماذا يعود الكورد إلى بغداد؟ وما هي الضمانات الحقيقية لحماية حقوقنا الدستورية؟ هل تغيرت عقلية الحكم في "الخضراء" أم أن رياح "المركزية" بدأت تهب من جديد لتهديد كيان الإقليم؟
للحفر في هذه الملفات، يسعدني أن أستضيف السياسي والمحافظ السابق لحلبجة، آزاد توفيق. "كاكا آزاد"، طاب مساؤك، نتشرف بوجودك معنا بعد غياب، ونرجو أن تكون في تمام الصحة والعافية.
آزاد توفيق: طاب مساؤك كاكا حكيم، وتحية مودة لك وللمشاهدين الكرام. يسعدني جداً هذا التواصل.
كوردستان 24: أهلاً بك. دعنا نبدأ من "بيت القصيد". نحن أمام استحقاقين؛ حكومة الإقليم التي تأخرت ولادتها بعد الانتخابات، وحكومة اتحادية غامضة الملامح في بغداد.
برأيك، أين تكمن الأولوية القصوى للكورد اليوم؟ هل هي في ترتيب البيت الداخلي وتشكيل الكابينة العاشرة، أم في التوجه سريعاً لانتزاع الحقوق من بغداد؟
آزاد توفيق: شكراً لك. في الواقع، نحن أمام مسارين لا ينفصلان، لكن لكل منهما ثقله الخاص. بالنسبة لإقليم كوردستان، حان الوقت لتجاوز مرحلة الانتظار؛ فالنتائج ظهرت وإرادة الناخب واضحة. الأولوية المطلقة الآن هي توحيد القوى السياسية تحت مظلة خطاب "وطني وقومي" جامع لتشكيل الكابينة الوزارية العاشرة وتفعيل دور البرلمان.
أما في بغداد، فالوضع مختلف؛ نحن نترقب تغييرات جيوسياسية كبرى. الكابينة القادمة في العراق ستواجه تحديات إقليمية ودولية لم يشهدها العراق منذ 2003. لذا، لا خيار أمام الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والاتحاد الوطني) سوى الذهاب بكتلة صلبة وأجندة موحدة تفرض تنفيذ الدستور وتثبت دعائم الفيدرالية الحقيقية، لا "فيدرالية الشعارات".
كوردستان 24: أشرت إلى نقطة جوهرية وهي "التغييرات الكبرى". إذا كانت المنطقة تغلي، كيف يمكن لأربيل والسليمانية أن تجتمعا سريعاً لتلافي شظايا هذه الانفجارات السياسية؟
آزاد توفيق: انظر كاكا حكيم.. في بغداد يوجد "إطار تنسيقي" شيعي، ولدينا اليوم "مجلس وطني" سني ناشئ. ونحن الكورد، بمكوننا الأساسي وتاريخنا وهويتنا المختلفة ثقافياً وجغرافياً، يجب أن نمتلك "مرجعية قرار" واحدة.
الخطوة الأولى والاضطرارية هي تفعيل البرلمان الكوردستاني؛ ليكون منصة للحوار بين السلطة والمعارضة. حين نذهب إلى العالم بصوت واحد، سنكون رقماً صعباً.
التشرذم في بغداد هو "انتحار سياسي"، والتفاهمات الوطنية داخل الإقليم هي التي ستجعلنا ندخل مفاوضات بغداد بمركز قوة لا بمركز استجداء.
كوردستان 24: لكنك تكرر كلمة "المعارضة". هل تعتقد أن المعارضة شريك حقيقي في "تفعيل البرلمان" أم أنها ستكتفي بدور المتفرج المشاكس؟
آزاد توفيق: المعارضة ظاهرة صحية، ومن حقها أن تختلف مع الحكومة في ملفات الإدارة والخدمات الداخلية، هذا شأننا الداخلي. لكن، حين يتعلق الأمر ببغداد، تسقط كل الخلافات. الأجندة في بغداد يجب أن تكون "دفاعية" عن كيان الإقليم.
علينا أن نفهم تركيبة الخصوم والحلفاء؛ العرب الشيعة لديهم مرجعية ورؤية (حسينية) يسعون من خلالها لمشروع "الهلال الشيعي"، والعرب السنة يميلون للعروبة الشاملة. وسط هذا التناقض، يجب أن يرتفع صوت "كوردستاني" واحد يطالب بالحقوق التي أقرت في دستور 2005، بعيداً عن المزايدات الحزبية.
كوردستان 24: تحدثت بمرارة عن "باني مقان" وحقول نفط كركوك. والجميع يتساءل: لماذا لا تزال هذه الشرايين الحيوية خارج سلطة الإقليم؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
آزاد توفيق: المسألة أعمق من حقل نفطي. المناطق المتنازع عليها المشمولة بالمادة 140 تعادل في مساحتها مساحة فلسطين وإسرائيل معاً! نحن أمام قضية أرض وهوية تُدار في أروقة اللعبة الدولية.
الكورد تعرضوا لظلم تاريخي؛ من "الأنفال" والتعريب الكيميائي قبل 2003، وصولاً إلى ما أسميه اليوم بـ "الأنفال الناعمة". حين تُقطع الرواتب وتُجفف الموازنة وتُحارب لقمة عيش المواطن الكوردستاني، أليس هذا محاولة للخنق والإبادة الاقتصادية؟
كوردستان 24: كلام خطير.. هل أفهم منك أن العقلية في بغداد اليوم باتت "أكثر عداءً" مما كانت عليه في سنوات الدستور الأولى؟
آزاد توفيق: نعم، وبكل صراحة هي أسوأ. هناك "حلم دفين" لدى البعض في بغداد بالعودة إلى زمن "المركزية المطلقة" ومحو كيان إقليم كوردستان من الخارطة السياسية. العقلية المسيطرة حالياً تبتعد عن الديمقراطية وتقترب من "الديكتاتورية المقنعة" باسم الدين أو المركزية. إذا لم يتحرك المجتمع الدولي والدول الكبرى لفرملة هذا التوجه، فنحن نسير نحو نظام "توتاليتاري" سيبتلع الجميع من زاخو إلى الفاو.
كوردستان 24: بالحديث عن بغداد، منصب "رئيس الجمهورية" كان دائماً نقطة خلاف. هل يجب أن يظل مرشحاً حزبياً، أم آن الأوان ليكون مرشحاً بـ "ختم كوردستاني" شامل؟
آزاد توفيق: منصب رئيس الجمهورية هو واجهة الكورد في الدولة الاتحادية. لذا، أرى أنه يجب أن يحظى بـ "إجماع وطني كوردستاني" لا "تزكية حزبية" ضيقة. الرئيس يجب أن يمثل كل الكورد، ويستخدم صلاحياته الدستورية لحماية قضايا شعبنا. البرلمان الكوردستاني هو من يجب أن يحسم هذه الشرعية، ليكون الرئيس في بغداد مدعوماً بظهير شعبي ومؤسساتي من الإقليم.
كوردستان 24: سؤالنا الأخير كاكا آزاد.. هل ترى أن كركوك هي "القضية المركزية" التي لا تقبل القسمة على اثنين، تماماً كما هي فلسطين بالنسبة للعرب؟
آزاد توفيق: كركوك هي قلب كوردستان النابض. هي مدينة التعايش التي تضم الكورد والعرب والتركمان والكلدان والآشور، لكنها كوردستانية الجغرافيا والتاريخ. نحن نؤمن بالتعايش والتمثيل العادل للجميع، لكننا لن نساوم على هوية الأرض. كركوك ليست للمقايضة، وضمان حقوقنا فيها هو معيار نجاح أي اتفاق مع بغداد.
كوردستان 24: السيد آزاد توفيق، السياسي والمحافظ السابق لحلبجة، شكراً لك على هذه المكاشفة الجريئة والوضوح في الرؤية. أسعدتنا جداً بهذا الحوار.
آزاد توفيق: شكراً لكم، ودمتم بخير.
كوردستان 24: أعزائي المشاهدين، كانت هذه خلاصة "حديث اليوم". ليلة هادئة نتمناها لكم، وتبقى كوردستان دائماً عامرة بوعي أبنائها ووحدتهم. إلى اللقاء.