حقوق كوردستان بين مطرقة بغداد وسندان الانقسام.. رؤية محمد حاجي محمود للمرحلة المقبلة

أربيل (كوردستان 24)- عشرون عاماً مضت على بزوغ فجر 'العراق الجديد'، عقدان من الزمن كان الكورد فيهما يطمحون إلى وطنٍ يحتكم للدستور، ويحترم الفيدرالية، وينهي عقوداً من التهميش والاضطهاد. لكن، وبينما كانت الآمال تتحدث عن 'مواطنة من الدرجة الأولى'، بات الواقع اليوم يتحدث عن رواتب مقطوعة، ومواد دستورية معطلة، وصراع مرير على لقمة العيش وهوية الأرض.

في ظل أزمة الثقة العميقة بين أربيل وبغداد، وفي وقت يشتد فيه المخاض لتشكيل حكومة عراقية جديدة، يبرز السؤال الأهم: كيف سيذهب الكرد إلى بغداد هذه المرة؟ هل بصوت واحد يفرض استحقاقات شعبهم، أم بشتات سياسي يفتح الأبواب لمزيد من التهميش؟

لمناقشة هذا الملف الساخن بكل صراحة، يستضيف برنامح (باسی رۆژ – حديث اليوم) الذي يقدمه الاعلامي المعروف فرهاد رسول (حاكم فرهاد)، الشخصية التي لم تغادر الجبال في الحرب ولم تهادن في السياسة، وهو محمد حاجي محمود، رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الكوردستاني، للبحث معه عدة محاور من بينها: هل تخلت بغداد عن شركاء الوطن؟ وما هي الضمانات الحقيقية لحفظ حقوق شعب كردستان؟"

هذا نص الحوار: 

فرهاد رسول (المقدم): طاب مساؤكم بكل خير. منذ عام 2003، كان الكورد يأملون في أن يكون للعراق دستور، وأن يصبح دولة فيدرالية تنهي الظلم والاضطهاد الذي مورس ضدهم في الماضي، ليعيشوا كمواطنين من الدرجة الأولى متمتعين بكامل حقوقهم.

ولكن للأسف، منذ ذلك الحين وحتى الآن، تعاقبت الحكومات وهي تعمل تدريجياً على تقليص هذه الحقوق، بل ووصل الأمر إلى قطع الرواتب والموازنة عن شعب كوردستان. لمناقشة هذا الملف، وتحديداً مشاركة الكورد في الحكومة العراقية الجديدة، يسعدنا استضافة السيد محمد حاجي محمود (كاكا حمه)، رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الكوردستاني. أهلاً بك كاكا حمه، وكل عام وأنت بخير بمناسبة العام الجديد.

محمد حاجي محمود: شكراً جزيلاً لك كاك حاكم، وأتمنى لك ولشعب كوردستان دوام الصحة والسلامة، ومبارك للجميع حلول العام الجديد.

فرهاد رسول: كاكا حمه، نحن الآن في خضم مرحلة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. كيف ينبغي للكورد أن يذهبوا إلى بغداد؟ وبأي طريقة يمكنهم ضمان استعادة حقوقهم الدستورية المسلوبة؟

محمد حاجي محمود: بالنظر إلى ما مر بنا، نجد أن عام 2024 (والأعوام السابقة) كان مليئاً بالأزمات لشعب كوردستان. حقوقنا تتعرض للانتهاك الصارخ؛ الرواتب متوقفة منذ أشهر، والخدمات معطلة، وهناك تمييز واضح بين مواطني الإقليم ومواطني وسط وجنوب العراق. حتى في كركوك وطوزخورماتو، نرى محاولات للاستيلاء على أراضي وممتلكات الكورد وتسليمها لغيرهم.

أعتقد أن الحل يكمن في "وحدة الصف الكوردي". يجب أن نذهب إلى بغداد ككتلة واحدة وموقف موحد. الشيعة لديهم "الإطار التنسيقي" والسنة لديهم تحالفاتهم، أما الكورد فهم المكون الوحيد المشتت حالياً. نحن بحاجة إلى مجلس سياسي كوردستاني موحد يضم جميع الأحزاب ليتخذ القرارات المصيرية ويخاطب بغداد بصوت واحد.   

فرهاد رسول: لقد تحدثت في لقاءات سابقة عن "إرادة شعب كوردستان" وقوتها. لكن، لماذا لم تتحقق هذه الوحدة حتى الآن؟ وما الذي يمنع تشكيل هذا الموقف الموحد؟

محمد حاجي محمود: شعب كوردستان موحد في تاريخه، وثقافته، ولغته، وحتى في تطلعاته. لا توجد عوائق حقيقية بين أفراد الشعب. المشكلة تكمن في الخلافات السياسية الثانوية، والمنافسة على السلطة، والمصالح الحزبية الضيقة. في السابق، كانت الخلافات قد تصل للقتال من أجل مناطق أو موارد، واليوم نرى صراعاً على المناصب، وهذا هو ما يضعف موقفنا في بغداد.

فرهاد رسول: هل تعتقد أن العقلية الحاكمة في بغداد مستعدة فعلياً للاعتراف بحقوق الكورد الدستورية والكف عن سياسة "التهميش"؟

محمد حاجي محمود: إذا ملكت بغداد السلطة المطلقة، فإنها لن تسمح للكورد حتى باستنشاق الهواء. هم لا يزالون ينظرون إلينا بعقلية الماضي. رغم أننا نتحدث عن "عراق جديد" بعد 2003، إلا أن العقلية والبرامج السياسية لم تتغير كثيراً.

لقد جربوا معنا كل شيء؛ السلاح الكيميائي، الأنفال، وتدمير القرى، ومع ذلك صمدنا. الغريب أن الكورد هم من ساهموا في إعادة بناء بغداد بعد عام 2003 حينما كان قادتهم الحاليون هاربين أو مختبئين، لكنهم الآن يتنصلون من كل العهود.

فرهاد رسول: نحن دائماً نطالب بتطبيق الدستور والقانون. هل يتم التعامل معنا وفق هذه المعايير في بغداد؟

محمد حاجي محمود: الدستور يُطبق فقط حين يخدم مصالحهم، ويُهمل حين يتعلق الأمر بحقوقنا. المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها معطلة تماماً. هم يستخدمون "عقوداً زراعية" وقوانين قديمة لمصادرة أراضي الكورد بدلاً من الالتزام بالدستور. كما أن "المجلس الاتحادي" الذي نص عليه الدستور لم يتم تشكيله حتى الآن لأنه سيخلق توازناً لا يرغبون به. هم يريدون إضعاف الإقليم اقتصادياً وسياسياً بشتى الطرق.

فرهاد رسول:  يُقال دائماً إن "العرب والكورد إخوة". أين هي هذه الأخوة في التعامل السياسي الحالي؟

محمد حاجي محمود: كاك حاكم، بصراحة، الواقع يثبت عكس ذلك. لو كانوا إخوة فعلاً لما ارتكبوا الأنفال ولا ضربونا بالكيميائي. الأخ لا يدفن أخاه حياً في مقابر جماعية في صحراء عرعر. نحن في العراق رأيناهم كيف عاملوا حتى رموزهم الدينية؛ لقد مزقوا جسد الحسين بن علي وهو حفيد نبيهم، فماذا ننتظر منهم أن يفعلوا بنا؟

فرهاد رسول: هناك صراع حالياً على المناصب السيادية (رئاسة الجمهورية، الوزراء، والبرلمان). السنة لم يتفقوا، والشيعة كذلك، والكورد أيضاً. إلى أين تمضي هذه العملية؟

محمد حاجي محمود: توزيع الرئاسات الثلاث لم يأتِ في الدستور نصاً، بل أصبح "عرفاً". الشيعة سيحسمون أمرهم في النهاية لأن لديهم "مرجعية" يلتزمون بها. هم دائماً يختارون شخصيات ضعيفة لمنصب رئيس الوزراء ليكون من السهل التحكم بهم وتمرير أجنداتهم.

فرهاد رسول: وماذا عن منصب رئيس الجمهورية المخصص للكورد؟ كيف يجب التعامل معه؟

محمد حاجي محمود: هذا المنصب أصبح من حصة الكورد كعرف سياسي، وهو ليس منصباً شرفياً فقط. رئيس الجمهورية لديه صلاحيات مهمة؛ هو القائد العام للقوات المسلحة (اسمياً)، ولديه حق نقض القوانين والموازنة، والمصادقة على أحكام الإعدام.

الشيعة يفضلون بقاء هذا المنصب مع الكورد لأنهم يخشون من إعطائه للسنة، فالسنة قد يقومون بانقلاب عسكري في يوم واحد، أما الكورد فليس لديهم طموح لحكم بغداد، لذا يعتبرونه "آمناً" في أيدينا.

فرهاد رسول: كلمة أخيرة كاك حمه..

محمد حاجي محمود: يجب على الكرد ألا يخجلوا من هويتهم أو حقوقهم. نحن أمة مختلفة؛ لنا لغتنا، ثقافتنا، وتاريخنا. في بغداد، مهما اختلف الشيعة والسنة، فهم في النهاية "عرب" وسيتفقون ضدنا إذا لزم الأمر. لذا، قوتنا الوحيدة في وحدتنا وتمسكنا بحقوقنا على أرضنا.

فرهاد رسول: شكراً جزيلاً لك كاكا حمه على هذا الحوار الصريح. وشكراً لكم أعزائي المشاهدين، نلتقي في حلقات قادمة. طابت ليلتكم.